36/03/27


تحمیل
الموضوع:- التنبيه الثاني ــــ تنبيهات البراءة ــــ الأصول العملية.
كان الكلام في التنبيه الرابع من تنبيهات قاعدة من بلغ وكان مفاده شمول قاعدة من بلغ للأخبار الضعيفة التي مفادها الوجوب او الحرمة وقلنا ان ديدن المشهور هو جريان القاعدة، ولكن ذكرنا ان البعض استشكل في عموم القاعدة الى مثل هذه الموارد.
الاشكال الاول:- ان مفاد هذه الاخبار هو اللزوم وعليه فلا يكون هذا عملاً بالرواية والحال ان مفاد قاعدة من بلغ هو العمل بالرواية، والرواية مفادها اللزوم فهذا ليس تبني للزوم بل تبني للندب او للكراهة.
الاشكال الثاني:- ان ترك المكروه او ترك الحرام ليس فيه ثواب لأنه ترك للمعصية، نعم بعض الموارد للمحرمات او للمكروهات ذكر للترك ثواب ولكنه ليس مطرداً.
وهذا الاشكال يشترك فيه الوجوب والحرمة.
الا ان يقال:- لو كان المبنى في الحرمة والكراهة على انه طلب الترك أي شيء وجودي فلربما يتصور الثواب اما اذا كانت الحرمة عبارة عن الزجر الشديد في الحرمة والخفيف في الكراهة فلا يتصور في ثواب.
وهذا الاشكال تشترك فيه الحرمة والكراهة.
الاشكال الثالث:- وهذا الاشكال مبنائي وهو لو بني على ان قاعدة من بلغ تجبر السند وتصحح السند فهذا يعني ان مفادها يكون لزومي وليس ندبي.
الجواب عن الاشكال الاول:-
الجــــــــواب الاول:-
ولأجل توضيح الحل نذكر امرين:
الاول:- ان قاعدة من بلغ واضح فيها ان مفادها مفاد ندبي وليس لزومي هذا من جهة.
الثاني:- ان هذا المفاد هو عنوان ثانوي في الموضوع وان لم يكن في ثانوي المحمول أي باعتبار طروا البلوغ على الموضوع يجعل رجحان في العمل فان مفاد المحمول في قاعدة من بلغ ثبوتي واقعي اولي نعم موضوع القاعدة ثانوي وليس محمولها ثانوي بل محمولها اولي.
وهذا بحث مهم في كل الاصول وقواعد الفقه وهو ان يلتفت الباحث الى العناوين الثانوية او الاحكام الثانوية هل هي ثانوية في المحمول مثل ادلة الرفع والاضطرار والنسيان او ثانوية في الموضوع مثل النذر والعهد واليمين ولزوم الشروط في المعاملات وطاعة الوالدين والصلح فان هذه الموارد موضوعها ثانوي ولكن محمولها اولي[1]، ويوجد فرق بين القواعد التي موضوعها اولي ولكن محمولها ثانوي والقواعد التي موضوعها ثانوي ومحمولها اولي ففي موارد رفع الاضطرار او النسيان موضوعها اولي ومحمولها ثانوي عكس العهد واليمين والشروط فان موضوعها ثانوي ومحمولها اولي، اما ما هي الفوارق والاثار بين القسمين فهذا بحث طويل اذا جاءت المناسبة نذكره، وقاعدة من بلغ من قبيل العهد والنذر فان موضوعها ثانوي ومحمولها اولي.
اذا اتضح ذلك وهو كون مفاد قاعدة من بلغ هو الندب وهو حكم ثبوتي واقعي اولي.
حينئذ نقول ان قاعدة من بلغ ليست قاعدة مفادها الطريقية او الحجية وكما تتذكرون انه قد مر بنا ان هناك اربعة اقوال في حقيقة القاعدة وقد اخترنا القول الاول تبعا للأشهر، اذن القاعدة موضوعها ثانوي وهو بلوغ اللزوم او بلوغ الوجوب او بلوغ الحرمة اما محمولها فهو ندبي، والمحمول ليست حقيقته انه طريقي حتى يقال بانه يحكي مفاد الرواية الضعيفة بل بسبب ورود وبلوغ الرواية الضعيفة تطرأ على ذلك الموضوع رجحان موضوعي ندبي وهذا لا مانع من ان يكون الموضوع بلوغ اللزوم والمحمول هو الندب كما في مثل النذر لو تعلق بشيء مستحب فيكون موضوع النذر شيئا مستحبا ولكن محموله اللزوم أي بسب طروا صيغة النذر يطرأ اللزوم، فان الموضوع شيءٌ والمحمول شيءٌ، لان المحمول ليس في رتبة الموضوع ولا مفاد المحمول هو الموضوع بل حتى في موارد نذر الواجب لا مانع منه فانه بعد طروا النذر يكون الوجوب الاتي من النذر آكد من الوجوب الذي في الموضوع، وكذا في قاعدة من بلغ فان مفاد الاخبار الضعيفة هو الوجوب المحتمل وبلوغ هذا الوجوب المحتمل يوجب طروا وثبوت رجحان ندبي في العمل وكذا بلوغ الحرمة المحتملة غير الثابتة يوجب طروا وثبوت كراهة فلا يتدافع مع الواقع الاولي ولا مانع من الشمول فلا تنافي في البين كما لا تنافي في عموم قاعدة النذر او اليمين او العهد لأبواب عديدة على اختلاف مواضيع الابواب.
الجــــــواب الثاني:-
ان نتيجةَ شمول القاعدة للروايات الضعيفة التي مفادها اللزوم هو الندبُ والرجحان في الواجبات والكراهةُ في المحرمات هي شبيهة بالتبعيض بالحجية وان كانت قاعدة من بلغ ليس مفادها الحجية والطريقية فلا مانع من ان نقول ان قاعدة من بلغ تبعض بالحجية فانه وان كان مفاد الرواية الضعيفة الوجوب او الحرمة ولكن قاعدة من بلغ تقول ان اصل الوجوب متضمن لجنس الرجحان ومفاد القاعدة يقوى على اثبات جنس الرجحان اما اللزوم فلا تستطيع القاعدة اثباته وكذا مفادها قادر على اثبات اصل وجنس المرجوحية اما الحرمة فلا تستطيع اثباته ولا مانع من ذلك.
وبعبارة اخرى ان قاعدة من بلغ تبعض في اعتبار الحجية وهذا قابل للتصوير ولا باس به.
وان كان المعتمد هو الجواب الاول.
الجواب عن الاشكال الثاني:-
ذكروا ان فرق الوجوب مع الحرمة وفرق الاستحباب مع الكراهة هو ان الكراهة منطلق وملاك التشريع فيها المفسدة والحرمة منطلق التشريع فيها المفسدة والا اذا كان ملاك التشريع في الحرمة هو المصلحة لما كانت حرمة بل صارت وجوب مثل وجوب الصوم فان وجوب الصوم طلب ترك الاكل والشرب والجماع فان هذا الترك فيه مصلحة ولذا صار وجوبا ولم يصير حرمة ففرق بين باب الوجوب والحرمة فان الوجوب ينشأ من مصلحة واما الحرمة والحرام فانه ينشأ من مفسدة لا انه ينشأ من مصلحة وحينئذ لا ثواب على المحرم فكيف يكون مشمولا لقاعدة من بلغ، هذا تعزيز للإشكال.
ولكن يقال في جوابه:-
اولاً:- لو سلمنا ما ذكره الاعلام من ميز الواجب عن الحرام ولكن يوجد امر اخر نسلم به وهو ان المعصية عليها عقوبة سواء كان في الواجب او في الحرام والطاعة عليها مثوبة سواء كان في الواجب او في الحرام واما ان الطاعة في الحرام فقط سقوط عقوبة فلا نسلم به بل الثواب موجود ايضا على ترك الحرام فمن هذا الجانب لا فرق وان كان هناك فرق في الملاك فليكن.
واذا كان الحال كذلك فأيُ حرمة او كراهة تبلغ المكلف بطريق غير معتبر فمن الواضح ان طاعتها فيها ثواب ومعصيتها فيها عقوبة وحينئذ يصدق انه قد بلغه الثواب فلا مانع من شمول القاعدة لها.
ثانياً:- ان الادلة في الواجبات وفي المحرمات ـــ بصراحة ـــ دالة على ان فعل الواجبات فيه ملاك ومصلحة وتركه فيه مفسدة وفي باب المحرمات ايضا كذلك فان ادلتها تدل على ان فعلها فيه مفسدة وتركها فيه مصلحة.
ان قلت:- بناء على هذا لابد ان يشرع حكم واحد اما الوجوب او الحرمة لان الواجب نستطيع ان نقول انه تركه حرام والحرام نستطيع ان نقول ان ترك الحرام واجب؟
قلت:- هذا غير صحيح بل نلتزم بما هو مجعول، واما لماذا الشارع جعله هكذا فهذا متروك للشارع نفسه اما لنكات او لخاصية او لأي امر اخر وربما يكون دخل هذا الطرف في التكامل اكثر من الطرف الاخر.
بل لا يخفى عليكم وان غفل عنه بعض الكبار انه في باب الصوم الذي التزم به المشهور شهرة عظيمة بل متسالم عليه وان كان السيد الخوئي (قدس سره) لم يلتزم به وهو انه لم يشرع الوجوب فقط بل شرع الوجوب والحرمة معا أي ان الترك فيه مصلحة والعصيان وارتكاب المفطرات فيه مفسدة.
والشاهد على ذلك:- ان الانسان لو لم يصم وعصى فمع ذلك يحرم عليه ارتكاب المفطر وتترتب عليه كفارة بل حتى لو لم تترتب عليه كفارة كما في الاكل والشرب مرة ثانية فمع ذلك يحرم عليه الاكل والشرب وذلك لأنه في باب الصوم شرع الحرام كما شرع الوجوب.
اذن لا اشكال في الشمول للحرمة والكراهة لأنها فيها ثواب ايضا.


[1] وقد بسطنا الكلام في هذا في كتابنا الشعائر الحسينية في الجزء الاول.