36/02/06


تحمیل
الموضوع:- التنبيه الاول ــــ تنبيهات البراءة ــــ الأصول العملية.
كان الكلام في الدليل العقلي الثاني الذي استدل به الاخباريون على الاحتياط في الشبهة التحريمية او الشبهة الحكمية عموما وهو عبارة عن اصالة الحظر أي الحظر في الافعال لان الافعال مملوكة لله تعالى والتصرف في ملكه يحتاج الى اذن، وهو مقتضى حكم العقل عند الشيخ الطوسي (رحمه الله) هكذا او بتقريب ان الاحتمال منجز وقد خرج من ذلك الافعال الضرورية المعيشية المعلوم انها مباحة وتبقى الافعال المشتبهة التي لم يصل اذن من الشارع فيها غير مباحة، ومقتضى هذا الدليل هو الاحتياط في كل الشبهات الحكمية لا في التحريمية فقط، وهذا التقرير للدليل نوافق فيه الشيخ الطوسي (رحمه الله)، ومن ثَم مر بنا انه ليس مقتضى القاعدة العقلية هو البراءة في الشك البسيط بل البراءة العقلية وهي قبح العقاب بلا بيان مختصة بالجاهل المركب الغافل غير المقصر اما في موارد الشك البسيط الاحتمال منجز، والتزم بذلك نفس الاصوليون في منجزية العلم الاجمالي ــ كما سياتي ــ فقالوا ان الاحتمال منجز فكيف بالعلم او قل ان الاحتمال علم بالمعنى الاعم فضلا عن المعنى التصديقي، نعم هناك براءة عقلائية وهي براءة اعتبارية قننها العقلاء ووسع العقلاء البراءة العقلية الى عقلائية حتى في موارد الاحتمال بعد الفحص وهذا صحيح ولكن البراءة العقلائية تحتاج الى امضاء بالبراءة الشرعية او بعدم الردع وما شابه ذلك والا فمقتضى الحكم العقلي في الاحتمال هو التنجيز ولكن هذا الدليل العقلي وهو الحظر والاحتمال من الواضح انه لا يقاوم ادلة البراءة الشرعية لان الدليل العقلي هذا تعليقي وليس تنجيزي.
هذا تمام الكلام مع الاخباريين والمحصل من ادلتهم في الآيات او الروايات التي هي متواترة فقد مر بنا ان لهذه الادلة التي استدل بها على الاحتياط ستة او سبع محامل وهذه المحامل ليست فيها تكلف بل لها شواهد، ويؤخذ بهذه الروايات في تلك المحامل
تنبيهات البراءة:-
التنبيه الاول:- الاصل العملي قد يكون حكمي او موضوعي.
تشخيص الاصل هل هو حكمي او موضوعي وقد مر بنا تفسير هذا الاصطلاح فان المراد من الاصل الحكمي يعني الاصل الجاري في المحمول وليس مختصا بالشبهة الحكمية بل الاعم من الحكمية والموضوعية، كما ان المراد بالأصل الموضوعي باصطلاح الاصوليين يعني الاصل الجاري في موضوع القضية الشرعية سواء كانت قضية جزئية كما في الشبهات الموضوعية او كلية كما في الشبهات الحكمية وتشخيص ان هذا الاصل سواء كان استصحاب او براءة او غيرهما انه اصل موضوعي او اصل حكمي امر مهم جدا، لان الاصل الموضوعي متقدم على الاصل الحكمي وان كان هذا الاصل الموضوعي متأخر من حيثية اخرى عن الاصل الحكمي فمثلا لو وجدنا استصحاب حكمي في قبال اصل وظيفي عقلي موضوعي فان الاصل الوظيفي العقلي الموضوعي يتقدم على الاستصحاب.
ان قلت:- كيف يتقدم الاصل الوظيفي العقلي الذي هو انزل الاصول رتبة على الاستصحاب الذي هو اعلى الاصول رتبة وكما يقال (الاستصحاب عرش الاصول وفرش الامارات)؟
قلت:- انه من ناحية هوية الاصل وماهيته نعم قد يكون اصلٌ متأخرٌ رتبة عن اصلٍ معينٍ لو كان مجراهما في رتبة واحدة، اما اذا تفاوت مجراهما رتبة فان المقدم رتبة في المجرى يقدم وان كان هو هوية وماهية مؤخر، وهذا ليس مختص بالاصول العملية فقط بل هذا الأمر موجود بين الاصول العملية والامارات ولذلك يقولون استصحاب عدم المخصص ينقح الموضوع لأصالة العموم عند الشك في الشبهة المصداقية للمخصص فان الاصل العدمي الجاري في المخصص ينقح الموضوع للعموم، والسبب في ذلك واضح وهو ان العموم وهو الدليل الاجتهادي ليس ناظرا الى موضوعِ نفسِه لان كل دليل اجتهادي ليس ناظرا الى موضوع نفسه وحيث لا يكون ناظرا الى موضوع نفسه فان الاصل العملي الجاري في الموضوع يقدم على الدليل الاجتهادي فيكون الاصل العملي العدمي لإحراز عدم المخصص ممهدا للطريق للتمسك بالعموم فاذا كان الحال بين الاصول العملية والادلة الاجتهادية هكذا فكيف بك بالاصول العملية فيما بينها؟
اذن رتبة الموضوع او المحمول في المجرى امر مهم فهل المجرى في عرض واحد للأصلين العمليين؟ او المجرى في طول بعضهما البعض؟ فان مجاري الاصول العملية او قل مجاري الادلة عموما اهم من ماهوية الادلة.
والبراءة من الواضح انها اصل حكمي لأنها تعالج الحكم وتعذر عنه فاذا جاء اصل موضوعي مثل الاستصحاب تقدم عليها وذلك لا لان الاستصحاب اصل محرز بل لان الاستصحاب مجراه فيما اذا فرض بالموضوع هو مقدم على البراءة، هذه خلاصة التنبيه الاول ولكن مثاله طويل وسوف نخوض فيه ان شاء الله.
وقبل الخوض في مثال هذا التنبيه نذكر ملاحظتين:-
الاولى:- لابد من الالتفات الى هذا التنظير الكلي لعنوان هذا التنبيه وهو ان الاصل الموضوعي مقدم على الاصل الحكمي ولكن هذا التنبيه عنونه الشيخ الانصاري (رحمه الله) بالأصل السببي والاصل المسببي وكثير من الاعلام يعبرون عن هذا التفاوت بالرتبة بالأصل السببي والاصل المسببي وهذا الاصطلاح متين لان الموضوع بمثابة السبب للمحمول والمحمول بمثابة المسبب فالأصل الجاري في السبب (أي في الموضوع) مقدم على الاصل الجاري في المسبب (أي في المحمول) وهذا الاصطلاح بديع من مدرسة الوحيد البهبهاني (رحمه الله).
الثانية:- هناك نكتة مهمة في نفس هذا التنبيه وهي ان السبب والمسبب في القضايا الشرعية قد يترامى أي ان القضايا الشرعية قد تترامى فمثلا اذا لاحظنا قضية واحدة شرعية نقول الموضوع سبب والمحمول مسبب ويتقدم الدليل الجاري في السبب على الدليل الجاري في المسبب ولكن كثيرا ما في الابواب الفقهية هذه القضية الشرعية تستعقب قضية شرعية اخرى موضوعها محمول القضية الاولى وكذا قد تستعقبها قضية ثالثة محمول القضية الثانية يقع موضوعا للقضية الثالثة وهذا يعبر عنه بــــــ(محمولات تتلوا بعضها البعض) مثل (وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ)[1] والبيع يترتب عليه الصحة فان احد معاني الحلية هو الصحة والصحة يترتب عليها اللزوم واللزوم يترتب عليه جواز التصرفات الاخرى الناقلة، فلاحظوا هذه محمولات متعاقبة، فبالدقة نقول (البيع صحيح) ثم نقول (البيع الصحيح لازم) ثم نقول (البيع الصحيح الازم تجوز التصرفات الناقلة في المبيع) ولاحظوا بالدقة ان المحمول اللاحق يأخذ المحمول السابق ويترتب عليه، وعندما يقال ان المحمول اللاحق يترتب على المحمول السابق فانه بالدقة لا يترتب فقط على المحمول السابق بل يترتب على الموضوع السابق والمحمول السابق فالمحمول السابق مع موضوعية يؤلف موضوع المحمول اللاحق فإننا لم نقل فقط (الصحيح لازم) بل (البيع الصحيح لازم) وكذا نقول (البيع الصحيح الازم يجوز التصرف الناقل فيه) وهنا يصطلح الفقهاء والاصوليون بان الاسباب والمسببات قد تترامى وقد تتعاقب.
ما فائدة هذا البحث؟
الجواب:- الغرض منه هو التدقيق من قبل الباحث فان الاصل العملي الذي يجري في الموضوع هل بالدقة هو يجري في الموضوع او في موضوع الموضوع او موضوع موضوع الموضوع فهذه ايضا رتب فعندما ترى اصلين عمليين او دليلين يجريان في الموضوع لابد من التدقيق هل انهما يجريان في الموضوع او موضوع الموضوع او موضوع موضوع الموضوع فهنا ايضا تفاوت لان الموضوع في القضية الشرعية (البيع الصحيح الازم تجوز التصرفات الناقلة المترتبة عليه) ليس بسيط بل هو مركب وايضا طولي وليس مركب عرضي، وهذا البحث من نفائس الصناعة الذي وصل اليه متأخر العصر، فان تركب الموضوعات قد يكون عرضيا وقد يكون طوليا والفائدة والثمرة من معرفة ذلك فإنها اذا كانت طولية أي سلسلة اسباب ومسببات وحاكم ومحكوم ووارد ومورود بخلاف ما اذا كانت عرضية.
وهذا بحث كلي في نظام الاحكام والقوانين وليس خاص بالاصول العملية بل يعم الادلة الاجتهادية والاصول العملية والاصول العملية ما هي إلا مثال لذلك.