36/11/08


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة / تنبيهات العلم الإجمالي/ إطلاق الجزئية لحالة النسيان.
ذكرنا في آخر الدرس السابق أنه في صورة استمرار العجز إلى نهاية الوقت وارتفاعه بعد انتهاء الوقت، في هذه الصورة قلنا الظاهر أنّ هناك علماً إجمالياً يدور بين المتباينين ومقتضى القاعدة أنه يكون منجزاً، وذلك لأن هذا العاجز يعلم من بداية الأمر أنه إما أن يجب عليه الناقص في داخل الوقت على تقدير إطلاق الجزئية لحالة العجز. وإما أن يجب عليه القضاء على فرض استمرار العجز إلى نهاية الوقت، فيجب عليه التام بعد خروج الوقت، فأمره يدور بين الناقص وبين التام، ولا يوجد أقل وأكثر كما في الفرض السابق حيث أن الأمر كان يدور بين التام وبين الجامع بين التام والناقص، وهذا من دوران الأمر بين الأقل والأكثر، بينما هنا في فرض العجز مع افتراض استمرار العجز إلى نهاية الوقت، أمره يدور بين الناقص في داخل الوقت ومع العجز على تقدير إطلاق دليل الجزئية، وبين التام في خارج الوقت على تقدير عدم إطلاق دليل الجزئية، فيجب عليه الإتيان بالتام في خارج الوقت. قلنا أن هذا العلم الإجمالي يدور بين متباينين والظاهر أنه يكون منجزاً.
نعم، قد يقال: على بعض المباني في تنجيز العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية، هذا العلم الإجمالي لا يكون منجزاً، وهو المبنى الذي يرى أن منجزية العلم الإجمالي لوجوب الموافقة القطعية إنما هي باعتبار تعارض الأصول في الأطراف، والأصول إنما تتعارض في الأطراف حيث يكون جريانها مؤدياً إلى الترخيص في المخالفة القطعية؛ حينئذٍ تتعارض الأصول، وبالتالي يتنجز العلم الإجمالي؛ لأن منجزية العلم الإجمالي إنما هي باعتبار تعارض الأصول، وأما إذا فرضنا أن تنجيز العلم الإجمالي لا يرتبط بتعارض الأصول، أو قلنا أن تنجيز العلم الإجمالي يرتبط بتعارض الأصول، لكن تعارض الأصول لا يتوقف على ما ذُكر من أنها تؤدي إلى الترخيص في المخالفة القطعية، لا نتكلم على هذا المبنى، وإنما على المبنى الأول. قد يقال على المبنى الأول أن العلم الإجمالي في المقام لا يكون منجزاً؛ لأن جريان الأصول لا يؤدي إلى الترخيص في المخالفة القطعية في محل الكلام لعدم تمكن المكلف من المخالفة القطعية للعلم الإجمالي في محل الكلام، وذلك بأن يقال: أن المكلف في المقام إن جاء بالأقل في داخل الوقت في محل الكلام فهنا المخالفة كما هو واضح على تقديرها تكون مخالفة احتمالية ولا توجد مخالفة قطعية؛ بل هناك موافقة احتمالية. وأما إذا لم يأتِ بالأقل في داخل الوقت، ولم يأتٍ بالأقل في حال العجز المفروض استمراره إلى نهاية الوقت، وجاء بالأكثر في خارج الوقت حينها أيضاً تتحقق الموافقة القطعية للعلم التفصيلي لوجوب القضاء حينئذٍ؛ لأن القضاء على تقدير عدم الإتيان بالأقل في داخل الوقت يكون واجباً على كل حال، يكون معلوماً بالعلم التفصيلي، وموافقته موافقة للعلم التفصيلي، من لا يصلي في داخل الوقت إطلاقاً، من لا يأتي بالأقل في داخل الوقت يجب عليه قضاء الصلاة، ويكون وجوب القضاء في خارج الوقت معلوماً بالتفصيل، وموافقته تكون موافقة للعلم التفصيلي، ومخالفته، أي ترك القضاء في خارج الوقت أيضاً، تكون مخالفة للعلم التفصيلي لا مخالفة للعلم الإجمالي. إذن: أين المخالفة القطعية للعلم الإجمالي ؟ لا يوجد مخالفة قطعية للتكليف المعلوم بالإجمال، وإنما هناك مخالفة احتمالية على تقدير الإتيان بالأقل والاكتفاء به، وعلى تقدير ترك الأقل والأكثر معاً، يعني ترك الأكثر مع ترك الأقل في داخل الوقت، هذه مخالفة لعلم تفصيلي وليست مخالفة للعلم الإجمالي المفروض في محل الكلام، ومن هنا لا تكون المخالفة العملية القطعية لهذا العلم الإجمالي ممكنة، فلا يكون جريان الأصول في الأطراف موجباً لتعارض الأصول؛ لأن جريانها لا يؤدي إلى الترخيص في المخالفة القطعية بناء على هذا المبنى.
وبعبارة أخرى: يمكن بيان هذا المطلب ببيانٍ آخر، فنقول : فرضنا أن المكلف يعلم من البداية أنه يجب عليه الأقل في الوقت، أو الأكثر في خارج الوقت، هذا هو العلم الإجمالي المطروح في المقام الذي قنا أن أمره يدور بين المتباينين، العاجز عن الركوع ــــــــــ مثلاً ــــــــــ يعلم بأنه إما أن يجب عليه الأقل في داخل الوقت على تقدير عدم إطلاق دليل الجزئية؛ إذ لا تكون الجزئية مطلقة حتى في حالة التعذر، فيجب عليه الإتيان بالباقي على ما ذكرناه في الدرس السابق. أو يجب عليه الإتيان بالأكثر في خارج الوقت، في الفرض الذي نتكلم فيه على تقدير إطلاق الجزئية، إذا كانت الجزئية مطلقة وتثبت كون الشيء المتعذّر جزءً حتى في حالة تعذّره، معناه أنه يجب على المكلف الإتيان بالمركب التام، وهو عاجز عنه في داخل الوقت يجب عليه الإتيان به في خارج الوقت، فأمره يدور بين الإتيان بالناقص في داخل الوقت وبين الإتيان بالتام في خارج الوقت. هذا هو العلم الإجمالي.
وجوب الأكثر في خارج الوقت يكون طرفاً للعلم الإجمالي على تقدير الإتيان بالأقل في داخل الوقت، وأما على تقدير ترك الأقل في داخل الوقت يكون وجوب الأكثر في خارج الوقت معلوماً بالتفصيل وليس طرفاً للعلم الإجمالي، الميزان في كون الشيء طرفاً للعلم الإجمالي هو أن يكون محتملاً، وإلا إذا كان معلوماً بالتفصيل لا يكون طرفاً للعلم الإجمالي، طرفية الطرف للعلم الإجمالي هي بأن يكون محتملاً، احتمال في هذا الطرف واحتمال في هذا الطرف، احتمال أن الواجب هو الناقص في داخل الوقت، واحتمال أن يكون الواجب هو الأكثر في خارج الوقت، لكن وجوب الأكثر في خارج الوقت إنما يكون محتملاً، وطرفاً للعلم الإجمالي على تقدير الإتيان بالأقل، يعني هذا المكلف إذا جاء بالأقل يحتمل أن يكون الأكثر واجباً عليه في خارج الوقت، لاحتمال أن يكون دليل الجزئية مطلقاً يشمل حالة العجز والتعذر، لا نستطيع أن نقول أن طرف العلم الإجمالي هو وجوب الأكثر على تقدير ترك الأقل، هو ليس طرفاً للعلم الإجمالي، هذا معلوم بالتفصيل، وجوب الأكثر في خارج الوقت على تقدير ترك الأقل في داخل الوقت معلوم بالتفصيل ولا يكون طرفاً للعلم الإجمالي المفروض في محل الكلام. إذا صار هذا واضحاً؛ حينئذٍ معنى ذلك أن طرفي العلم الإجمالي في محل الكلام هما عبارة عن الأقل أو الناقص في داخل الوقت، وعبارة عن التام والأكثر على تقدير الإتيان بالأقل في داخل الوقت، هذا هو الطرف الثاني للعلم الإجمالي، وجوب الأكثر على تقدير الإتيان بالأقل، على تقدير الإتيان بالأقل يحتمل أن يكون الإتيان بالتام في خارج الوقت واجباً عليه، بناءً على إطلاق الجزئية وكون الناقص غير مأمور به وليس واجباً أصلاً، يكون الواجب التام لا يقدر عليه في داخل الوقت فيأتي به في خارج الوقت، وأما الإتيان بالأكثر والتام في خارج الوقت على تقدير ترك الأقل في داخل الوقت، فهو معلوم بالتفصيل، وليس طرفاً للعلم الإجمالي، فطرف العلم الإجمالي الثاني هو عبارة عن وجوب الأكثر على تقدير الإتيان بالأقل.
الآن نأتي إلى مسألتنا: مثل هذا العلم الإجمالي هل يمكن مخالفته القطعية ؟ نقول لا؛ لأن مخالفة الطرف الأول للعلم الإجمالي تكون بترك الأقل، ومخالفة الطرف الثاني للعلم الإجمالي تكون بترك الأكثر في خارج الوقت على تقدير الإتيان بالأقل، وهذان لا يمكن الجمع بينهما، يعني ترك الأقل وفعل الأقل لا يمكن الجمع بينهما، وبالتالي لا يتمكن المكلف من مخالفة هذا العلم الإجمالي مخالفة عملية قطعية؛ لأن المخالفة العملية القطعية لهذا العلم الإجمالي تستلزم الجمع بين ترك الأقل في داخل الوقت وبين فعله، وهذا غير ممكن؛ وهي إنما تستلزم هذا الجمع؛ لأن مخالفة الطرف الأول للعلم الإجمالي إنما تكون بترك الأقل في داخل الوقت، ومخالفة الطرف الثاني للعلم الإجمالي تكون بترك الأكثر في خارج الوقت على تقدير فعل الأقل، ولا يمكن للمكلف أن يفعل الأقل وأن يترك الأقل في داخل الوقت حتى يكون قد خالف مخالفة قطعية، ومن هنا يمكن أن يقال عدم تمكن المكلف من المخالفة القطعية لا يوجب تعارض الأصول، بناءً على هذا المبنى الذي أشرنا إليه، أن تعارض الأصول إنما يكون بإداء جريان الأصول في الأطراف إلى الترخيص في المخالفة القطعية، فإذا لم يكن جريان الأصول مؤدياً إلى الترخيص في المخالفة القطعية لعدم التمكن منها وعدم القدرة عليها، فلا مانع من جريان الأصول وبالتالي لا يكون العلم الإجمالي منجزاً على هذا المبنى. هذا استثناء من البحث السابق.
بعد ذلك نتكلم عن أن هذا الذي ذكرناه بلحاظ الأدلة العامة، وما تقتضيه الأدلة العامة، وتبين أن الأدلة العامة تقتضي جريان البراءة فيما إذا ارتفع التعذر في داخل الوقت وتقتصي الاحتياط فيما إذا ارتفع التعذر في خارج الوقت، هذا ما تقتضيه الأدلة العامة، لكنه قد يُدعى وجود أدلة خاصة تدل على وجوب الإتيان بالأقل؛ وحينئذٍ يقال بأن هذه الأدلة الخاصة، لو تمت، فيجب الأخذ بها والالتزام بأن من يتعذر عليه الإتيان بأحد أجزاء المركب الواجب، يجب عليه الإتيان بالباقي بحيث يكون تكليفه الشرعي في حال التعذر هو أن يأتي بالناقص، بما عدا الجزء المتعذر. هذا الذي كنا نثبته عن طريق التمسك بإطلاق دليل الواجب، إنّ إطلاق دليل الواجب، إذا تم، يثبت أن الواجب واجب على كل حال وفي جميع الحالات بما فيها حالة تعذر بعض أجزائه، مع ذلك الواجب واجب، وهذا معناه وجوب الناقص، وجوب ما عدا الجزء المتعذر، هذا الآن يحاول إثباته عن طريق أدلة خاصة يُستدل بها في محل الكلام، هذه الأدلة من خلال تتبع كلماتهم يظهر أنها أربعة، استُدل بها على أن الواجب عند تعذر بعض الأجزاء هو الإتيان بالناقص وتكون هذه هي الوظيفة المفروضة على المكلف، فيجب عليه أن يأتي بالناقص: الدليل الأول: الاستصحاب والدليل الثاني: قاعدة الميسور. الدليل الثالث: حديث الرفع. الدليل الرابع: هو عمومات الاضطرار. استُدل بكل واحدٍ من هذه الأمور على أن الواجب عند تعذر بعض الأجزاء هو الإتيان بالناقص، ولا نحتاج حينئذٍ إلى التمسك بإطلاق دليل الواجب.
الدليل الأول: الاستصحاب. استُدل بالاستصحاب على أن مقتضى الاستصحاب هو وجوب الإتيان بالباقي عند تعذر بعض الأجزاء، وحاصل فكرة الاستصحاب لابدّ فيها من افتراض أن المستصحب لابدّ أن تكون له حالة سابقة، نستصحب وجوب الأقل، أو وجوب الناقص الذي كان ثابتاً في الزمان السابق، لابدّ من افتراض أنه كان هناك يقين بوجوب الأقل قبل التعذر، فعندما يتعذر أحد الأجزاء نشك أن وجوب الأقل الذي كان ثابتاً سابقاً باقٍ، أو ارتفع ؟ بتعذر بعض الأجزاء هل يرتفع هذا الوجوب الذي كان ثابتاً، أو لا ؟ فنستصحب بقاءه. وجوب الأقل الذي كان ثابتاً قبل التعذر، إين كان ثابتاً سابقاً ؟ المقصود به هو وجوب الأقل في ضمن وجوب المركب، في ضمن وجوب المركب كان الأقل واجباً فيما إذا فرضنا أن المكلف دخل عليه الوقت وهو قادر على الإتيان بكل الأجزاء، ثمّ تعذر عليه الإتيان ببعض الأجزاء، فنستطيع أن نقول: بعد دخول الوقت كان يجب عليه الإتيان بالمركب، هذا التكليف تنجز عليه وأصبح فعلياً، الآن بعد تعذر بعض الأجزاء يشك أن هذا التكليف ارتفع، أو لا ؟ التكليف بالأكثر يرتفع بالعجز عن بعض الأجزاء قطعاً لعدم القدرة، فلا تكليف بعد العجز بالمجموع المركب من الأجزاء بما فيها الجزء المتعذر، لكن التكليف بالباقي بما عدا الجزء المتعذر الذي كان موجودا في ضمن التكليف بالمركب سابقاً، هذا يشك المكلف بأنه باقٍ أو ارتفع ؟ فإذا كان الجزء جزءً حتى في حال التعذر فهو مرتفع، ولا تكليف بالباقي. أما إذا كان الجزء ليس جزءً في حال التعذر تسقط جزئيته في حالة التعذر، فالتكليف بالباقي يكون على حاله، فيشك المكلف في بقاء التكليف بالباقي وعدمه فيستصحب بقاء هذا التكليف الذي كان ثابتاً سابقاً.
من الواضح أن فكرة الاستصحاب هذه تكون واضحة جداً في فرض ما إذا كان العجز طارئا في أثناء الوقت، لا نفترض العجز من البداية، إذا دخل عليه الوقت ـــــــــــ كما مثلنا ــــــــــ وهو قادر على كل الأجزاء، فأصبح التكليف فعلياً ومنجزاً عليه، بعد ذلك يطرأ العجز في أثناء الوقت، فتأتي فكرة الاستصحاب بالبيان الذي ذكرناه، أنه دخل عليه الوقت ووجب عليه تمام الأجزاء، عجز عن هذا الجزء، وسائر الأجزاء كان وجوبها ثابتاً سابقاً، الآن نستصحب وجوب باقي الأجزاء ما عدا الجزء المتعذّر.
وأما إذا فرضنا أن العجز كان قبل دخول الوقت، قبل أن يدخل الوقت وقبل أن يتنجز التكليف وقبل أن يصبح هذا التكليف فعلياً في حقه كان عاجزاً عن الركوع، هنا لا يمكن حينئذٍ أن يُستدل بالاستصحاب؛ لأنه ليس هناك يقين بوجوب الأقل في زمان سابق، وجوب الأقل ليس له حالة سابقة لا قبل الوقت ولا حين دخول الوقت. أمّا قبل الوقت، فواضح لأنه قبل الوقت ليس هناك وجوب لهذا الفعل بحسب الفرض؛ لأنه مؤقت بوقت معين، ليس هناك تكليف فعلي في حقه قبل الوقت، وحين دخول الوقت وجوب الأقل في ضمن الأكثر مشكوك من أول دخول الوقت؛ لأنه حينما دخل الوقت هو عاجز بحسب الفرض؛ لأننا نفترض أن العجز موجود قبل دخول الوقت، دخل عليه الوقت وهو عاجز عن الركوع، هذا ليس لديه يقين بوجوب الأقل في ضمن الأكثر، وإنما لديه شك في أنه هل يجب عليه المركب أو لا يجب عليه المركب ؟ وبعبارة أخرى: هل يجب عليه الأقل أو لا يجب عليه الأقل، على تقدير يجب عليه الأقل، وعلى تقدير آخر لا يجب عليه الأقل، على تقدير أن يكون دليل الجزئية مطلقاً لحالة التعذر لا يجب عليه الأقل.
فإذن: لا يمكن أن تكون للمستصحب حالة سابقة مع افتراض أن التعذر موجود قبل دخول الوقت، المستصحب الذي هو عبارة عن وجوب الباقي، أي وجوب سائر الأجزاء ما عدا الجزء المتعذر. متى نستطيع أن نقول أن باقي الأجزاء وجبت على المكلف في زمان سابق ؟ هذا إنما نستطيع أن نقوله حينما يدخل عليه الوقت وهو متمكن من كل الأجزاء، فيصبح التكليف بالمركب فعلياً في حقه، ففي ضمنه تجب عليه الأجزاء الأخرى، هذا الجزء واجب وهذا الجزء واجب، تمام الأجزاء واجبة، فنستطيع أن نقول بالتقريبات الآتية، بأن الأقل كان واجباً ولو وجوباً ضمنياً، ما عدا الجزء المتعذر كان واجباً سابقاً ولو بالوجوب الضمني، الآن يشك في أنه هل بقي هذا الوجوب أو ارتفع، يستصحب بقاء الوجوب، لكن هذا عندما يحرز وجوب الناقص ويتيقن به في زمان سابق، ولا يقين بوجوب الناقص في زمان سابق إلا في ضمن الأمر بالمركب، ولا يقين بالأمر بالمركب إلا مع فرض دخول الوقت وهو متمكن من كل الأجزاء، أي في فرض طرو العجز في أثناء الوقت لا قبل ذلك، أما مع كون العجز قبل ذلك، فهنا لا يوجد يقين، قبل الوقت يوجد يقين بالعدم، حين دخول الوقت هو شاك في أنه ماذا يجب عليه، هل يجب عليه المركب، أو يجب عليه الأقل، من حين دخول الوقت مشكوك، فلا يقين سابق بوجوب الأقل عليه حتى يستصحب. ومن هنا يُشترط في جريان هذا الاستصحاب ـــــــــــــ قبل أن ندخل في تقريباته ـــــــــ أن نفترض طرو العجز في أثناء الوقت، ونُخرج من هذا البحث ما إذا كان العجز سابقاً على الوقت وكان العجز موجوداً قبل الوقت. ونفس الكلام يقال في ما إذا كان العجز مقارناً لدخول الوقت، لا فرق بين أن يكون العجز متقدماً على دخول الوقت، أو مقارناً لدخول الوقت، على كلا الفرضين لا يقين بوجوب باقي الأجزاء ما عدا الجزء المتعذر، ليس هناك يقين، وإنما من البداية هناك شك في وجوبها، فلا يقين سابق حتى يجري الاستصحاب. فالشرط الأول لجريان الاستصحاب هو أن يكون التعذر حادثاً في أثناء الوقت.
بالنسبة إلى هذه النقطة هناك كلام يُذكر في بحث الاستصحاب عادةً ولا يُذكر هنا، الشيخ الأنصاري(قدّس سره) أيضاً أشار إليه في الرسائل، وحاصل هذا الكلام هو أنه قد يقال: أن هذا الكلام الذي ذكرتموه صحيح، لكن حينما نفترض أن المستصحب حكماً جزئياً ويكون الاستصحاب استصحاب حكم جزئي الذي هو وظيفة المقلد الذي يرتبط بالأمور الجزئية التي ترتبط بالمقلد نفسه. استصحاب الحكم الجزئي الثابت لهذا المكلف وذاك المكلف ـــــــــ مثلاً ــــــــ هذا يُعتبر في جريانه فعلية التكليف وتحقق شرائطه خارجاً، وإلا استطيع استصحابه؛ لأنه حكم جزئي مرتبط بهذا المكلف، افتراض أنه لابد أن يكون الموضوع متحقق، والشرائط متحققة خارجاً حتى يكون هذا الحكم الجزئي فعلياً، فإذا شُك في بقائه بعد ذلك يجري فيه الاستصحاب، وأما إذا لم يكن الموضوع متحققاً، أو لم تكن الشرائط المعتبرة في فعلية ذلك التكليف الجزئي متحققة؛ حينئذٍ لا يقين سابق بذلك التكليف الجزئي حتى يقال أننا عندما نشك في بقائه نجري فيه الاستصحاب؛ لأن الاستصحاب يحتاج إلى يقين سابق، المستصحب هو الحكم الشخصي الجزئي، الحكم الجزئي لا يكون فعلياً إلا إذا تحقق موضوعه خارجاً وتحققت شرائط ذلك التكليف في الخارج، إذا وجد زيد وتحققت شرائط التكليف خارجاً، يكون هذا الحكم الجزئي المرتبط به فعلياً في حقه، فإذا شككنا في بقائه نستصحب هذا الحكم الجزئي. هذا صحيح. يتوقف على تحقق الموضوع خارجاً وتحقق الشرائط خارجاً، لابدّ من ذلك، ثم يُشك في بقائه لأي سببٍ من الأسباب إذا شككنا في بقائه، اختلت بعض الأمور التي نشك في أنها دخيلة في فعلية الحكم أو ليست دخيلة، قهراً نشك في بقاء التكليف فيجري استصحاب بقاء ذلك التكليف. وأما إذا كان المستصحب حكماً كلياً وليس حكماً جزئياً، حكم كلي الذي هو وظيفة المجتهد لا وظيفة المقلد، المجتهد يفترض الحكم الكلي ويفترض تحقق موضوعه، ويفترض تحقق جميع شرائطه، ثم يفترض اختلال بعض الشرائط التي يُشك لأجل اختلالها في بقاء ذلك الحكم الكلي، فيستصحب بقاء الحكم الكلي، استصحاب الحكم الكلي لا يتوقف على فعلية الموضوع خارجاً، ولا يتوقف على تحقق الشرائط خارجاً؛ بل يجري حتى مع عدم تحقق الموضوع والشرائط خارجاً، يكفي في جريان مثل هذا الاستصحاب فرض الموضوع، وفرض تحقق الشرائط، كما يجري المجتهد استصحاب حرمة الوطء بالنسبة إلى الحائض التي انقطع عنها الدم قبل الاغتسال، المجتهد يستند في الحكم بحرمة الوطء إلى هذا الاستصحاب، وهو استصحاب حكم كلي، يجري المجتهد هذا الاستصحاب حتى مع عدم تحقق الموضوع في الخارج، وحتى مع عدم تحقق الشرائط في الخارج، يفترض امرأة حائضاً ويفترض تنجز الحكم بحرمة الوطء بالنسبة إليها ثم يفترض اختلال بعض الشرائط فيقول يجري استصحاب حرمة الوطء التي كانت ثابتة سابقاً على هذا الفرض والتقدير، هذا لا يتوقف على تحقق الموضوع خارجاً ولا على تحقق الشرائط خارجاً؛ بل يجري من دون تحقق الموضوع والشرائط. وكأنه يراد أن يقال أن مقامنا من هذا القبيل، فهو لا يتوقف على تحقق الشرائط خارجاً، فيمكن أن يجري سواء كان التعذر حصل في أثناء الوقت أو حصل قبل الوقت أو حصل مقارناً لدخول الوقت.