36/12/20


تحمیل

الموضوع:- مبحث الإجـــزاء.

وفيه:- إنّ ما أفاده(قده) لا يتلاءم مع الموازين العلميّة إلا إذا ضممنا ضميمة ومن دون ضمّها لا يتّم ما ذكره ، ومع ضمها لا نحتاج إلى ما ذكره.

أما ما هي تلك الضميمة ؟

سوف نذكرها فيما بعد في الجواب الصحيح الذي نتبنّاه.

ولكن الذي نريد أن نقوله الآن:- هو أنّ ما ذكره لا يتلاءم مع الموازين العلمية فإنّ الفرد الأوّل قد فرض أنّه قد تحقّق به الامتثال فكيف تبدله بامتثالٍ آخر ؟ فما هو السند العلمي والمفروض أنّك تريد أن تبدل هذا الفرد بفردٍ آخر بحيث يتحقّق بهذا الفرد الامتثال وإلا فعلمية التبديل من دون أن تقصد بالفرد الثاني الامتثال لا تسمن ولا تغني من جوع ، فأنت تبدل ذلك الفرد بفردٍ آخر قاصداً بذلك أن يتحقّق الامتثال بالفرد الثاني والمفروض أنّ الأمر قد سقط وبعد سقوطه كيف يتحقّق الامتثال بالفرد الثاني فإنه غير ممكن . إذن ما ذكره لا يتلاءم مع الموازين العلمية ، نعم إذا ضممنا ضميمة سوف يتمّ والضميمة سوف نذكرها فيما بعد.

الجواب الرابع:- ما أفاده لسيد الشهيد(قده)[1] وحاصله:-أنه بالإمكان أن نقول إنَّ الواجب هو الأوّل ولكنه مشروط بشرطٍ متأخر ، أي بشرط أن لا يأتي المكلّف بعده بفردٍ آخر أفضل من الأوّل وإلا فينهدم ويبطل الفرد الأوّل وبالتالي يتحقّق الامتثال بالفرد الثاني فإنّ الفرد الأوّل قد بطل.

إن قلت:- إنّ ما ذكره السيد الشهيد(قده) مجرّد إبراز احتمال ثبوتي وهذا المقدار لا يكفينا ، فلا يكفينا إبداء احتمالات بعيدة ثبوتيّة ، ولا معنى للتمسك بهذه الاحتمالات.

قلت:- المفروض أنّه يوجد عندنا دليل إثباتي يدلّ على جواز تبديل الامتثال بالامتثال ، فتوجد عندنا روايات والمفروض أنها تدلّ على أنّ الامتثال بعد الامتثال جائز ، وبعد فرض وجود الروايات توجهنا مشكلة ثبوتية فلسفية - إن صحّ التعبير - وهي أنّه كيف نتقبّل هذه الروايات والحال أنّ مضمونها مستحيل لأنّه بالامتثال الأوّل قد سقط الأمر فكيف يمكن الامتثال الثاني ؟! إنه لا يمكن تبديل الامتثال بامتثالٍ آخر ، فهذه الروايات لا يمكن الأخذ بمضمونها.

إذن علينا أن نبرز احتمالاً ثبوتياً وجيهاً ممكناً ، ومادام وجيهاً فحينئذٍ حيث يوجد دليلٌ في عالم الاثبات فنأخذ بذلك الدليل بلا مانعٍ.

والسيد الشهيد صنع هذا المطلب ، فهو أراد أن يقول إنّه لا مانع من الأخذ بتلك الروايات إذ لعله في علم الله الأوّل إنما يكون واجباً بشرط أن لا يأتي بعد ذلك بفردٍ أفضل فإذا أتى به فسوف ينهدم الأوّل ، وإذا انهدم الأوّل فلا بأس وأن يكون الثاني هو الواجب ويتحقّق به الامتثال.

إذن يكفي للسيد الشهيد أن يبرز احتمال الإمكان ثبوتاً فإنّه إذا أبرزه فآنذاك لا يوجد إثباتاً مانعٌ من الأخذ بمضمون الروايات.

وفيه:- إنّ ما ذكره(قده) شيء وجيه علمياً ولكنه قد يكون بعيداً في مقام التزام الفقيه.

وبيان ذلك:- إنّ لازم ما ذكره(قده) أنّ شروط الصلاة سوف ينظم إليها شرطاً آخر ، فشرط صحّة الصلاة هو دخول الوقت والوضوء والطهارة و.... ، وأحد شروط صحتها هو أن لا تأتي بعد ذلك بفردٍ آخر أفضل من الفرد الأوّل وإلا وقع الأوّل باطلاً ، فكما أنّ الصلاة بلا وضوء باطلة فهذا يصبح باطلاً أيضاً على هذا المستوى.

إنّ هذا شيءٌ ممكن - ولا أريد أن أقول هو باطل - ولكن أريد أن أقول إنّه من البعيد أن يلتزم به الفقيه بحيث يضيف شرطاً جديداً من شرائط صحّة الصلاة - وهو أن لا يؤتى بفردٍ آخر أفضل - ، أمّا من التزم بذلك فلا كلام لنا معه.

إذن لابد وأن نبرز احتمالاً يمكن أن يلتزم به الفقيه ، أمّا إذا كان من البعيد التزامه به فيكون هذا الحلّ مورد تأمل.

والأوجه في مقام الجواب أن يقال:- يوجد لنا جوابان:-

الأوّل:- الالتزام بوجود أمرٍ استحبابي بالإعادة والامتثال الثاني يكون لهذا الأمر الاستحبابي وليس للأمر الأوّل الذي قد سقط فلا مشكلة إذن في البين.

يبقى من أين نحصل على هذا الأمر الاستحبابي فهل يكفينا مجرّد الاحتمال وإن لم نقم عليه دليلاً إثباتياً ؟ قد يقال يكفي ذلك.

ولكنك إذا لم تكتف به فيمكن أن نقول:- يوجد دليل إثباتي عليه وهو رواية عمّار المتقدّمة حيث قالت في ذيلها:- ( أيجوز أن يعيد معهم ؟ قال:- نعم وهو أفضل )[2] وهذا معناه أنّه مستحبّ.

إذن يوجد أمر استحبابي ، فالامتثال يكون لأجل الأمر الاستحبابي ، فلا مشكلة في البين.

الثاني:- أن نقول إنّ مسألة تحقّق الامتثال بهذا الفرد أو بذاك لها ميزانان ميزان واقعي وميزان اعتباري.

أمّا الميزان الواقعي:- فهو أن يأتي المكلّف بالصلاة بكامل شروطها ، كما تأتي بها أنت أو أنا أو غير ذلك من المؤمنين حينما يدخل وقتها . فإذن هذا ميزانٌ واقعيٌّ لأنّه كان يوجد أمرٌ وقد تعلّق بالصلاة بكامل شروطها وقد أتينا بها بكامل شروطها فيحصل الامتثال بشكلٍ قهريّ ويسقط الأمر بشكلٍ قهريّ.

وأمّا الميزان الاعتباري:- فهو أن نفترض أنّ الامتثال قد تحقّق والعبد يأتي بفردٍ آخر أفضل من الفرد الأوّل - وإنما نقول أفضل وليس مساوياً لأنّه لو كان مساوياً يكون الاتيان لغواً وعبثاً - ويطلب من المولى أو يتفضّل المولى ويقول أنا أعتبر تحقّق امتثالك بهذا الفرد أي من حيث الثواب أنا أعطيك نفس ثواب هذا الفرد الأفضل ، إنّ هذا شيء عقلائي وممكنٌ ونشعر بالوجدان بإمكانه ، فإني أنا المولى اعتبر الفرد الثاني بدل الفرد الأوّل.

وعلى هذا الأساس يكون هذا تفضّل من قبل المولى ولا مشكلة في البين.

ولعلّ مقصود السيد الخميني(قده) هذا المعنى ، فحينما قال ( يجوز تبديل فردٍ بفردٍ ) آخر من دون أن يوضّح النكتة في ذلك لعلّه يقصد هذا المعنى وهو أنّ القضيّة قضيّة اعتبارية ، فالمولى يعتبر تحقّق الامتثال بالفرد الثاني ، وهذا كما قلنا ميزانٌ اعتباريّ والقضية بيد المولى ، والمولى لا بأس وأن يصنع هذا الشيء ، وعليه فالمشكلة منتفية من الأساس.

ولعلّ المشكلة نشأت من قياس القضايا الاعتبارية على القضايا التكوينيّة ، ففي عالم الحقائق والتكوينيات لا يمكن هذا الشيء ، ولكنه يمكن في القضايا الاعتبارية بلا محذور.

إن قلت:- إنّه لا بأس بهذا الحلّ ولكن حينما يريد أن يأتي العبد بهذا الفرد فهو يقصد امتثال ماذا ؟ فهل يقصد امتثال الأمر الأوّل والمفروض أنّه قد سقط أو أنّه يقصد امتثال أمرٍ جديدٍ والمفروض أنّه لا يوجد أمرٌ جديد ونحن نتكلّم مع الأمر الأوّل فالامتثال إذن بماذا يكون ؟

فنحن إذن نسلّم أنّ القضية اعتبارية ويمكن للمولى أن يعتبر الامتثال بالفرد الثاني ولكن بالتالي حينما يأتي العبد بالفعل يقصد امتثال ماذا ؟

قلت:- إنّه لابد وأن نفترض أنّ الأمر الأوّل وإن سقط ولكن يأتي المكلّف بالفرد الجديد بقصد امتثال ذلك الأمر الأوّل وإن كان قد سقط حقيقةً ولكن في عالم الاعتبار الأمر سهل المؤونة ، فتعبّد أيها المكلّف بامتثال ذلك الأمر الذي كان متوجهاَ إليك في البداية وأنا اعتبر امتثالك امتثالاً لذلك الأمر الأوّل.

إنّ هذا شيء وجيهٌ ولا بأس به ، نظير أن أبدل كأس الماء الأوّل بكأسٍ ثانٍ فإنّ الكأس الثاني أأتي به بقصد امتثال أمر المولى ولكن أيّ أمر ؟ إنّه الأمر الأوّل ، فرغم أنّه سقط ولكن لا محذور في ذلك في عالم الاعتبار ويحصل بذلك تقربٌ ويعتبر أنّ هذا المكلف متقرّب ، وصِدقُ التقرّب قضيّة اعتباريّة ، ومادام العبد يقصد امتثال الأمر الأوّل وإن كان هو قد سقط فهذا نحوٌ من التقرّب في عالم الاعتبار ، فعلى هذا الأساس تزول المشكلة من هذه الناحية.

وبهذا ننهي كلامنا عن مسألة تبديل الامتثال بالامتثال أو مسألة إجزاء امتثال الأمر عن نفسه.