36/11/16


تحمیل
ثانياً:- يرد عليه نقضاً وحلّاً:-
أمّا نقضاً:- فإنّ المعاني الحرفيّة إذا كانت مغفولاً عنها وبالتالي لا يصح وضعها للطلب الوجوبي باعتبار أنها مغفولٌ عنها فيلزم أيضاً أن لا تكون موضوعة للطلب لأنّ وضعها للطلب أيضاً يتنافى عن الغفلة عنها، فإن كانت هناك منافاة فهي ليست بلحاظ وضعها للطلب بقيد الوجوب فقط، بل وضعها لأصل الطلب سوف يصير منافياً مع الغفلة عنها والحال أنّه لا إشكال في أنّها موضوعةٌ للطلب بنحو النسبة الطلبيّة وهذا لم يتوقّف فيه أحد، وإذا لم يتوقّف فيه فينبغي أن لا يوقّف أيضاً بلحاظ الوجوب.
وأمّا حلاًّ:- فلو سلّمنا أنّ المعاني الحرفيّة أمورٌ مغفول عنها فنقول هي مغفول عنها في مقام الاستعمال وليس في مقام الوضع، ففي مقام الاستعمال يغفل المستعمل عن النسبة والمعنى الحرفي وكلامنا ليس في مرحلة الاستعمال وإنما هو في وضع الواضع، فالواضع وضع مفاد الهيأة للطلب الوجوبي، ومقام الوضع لا توجد فيه غفلة، فحصل خلطٌ بين مقام الوضع وبين مقام الاستعمال.
البيان الثاني:- إنّ النسبة الإرسالية لا تختلف شدّةً وضعفاً، وبتعبيرٍ آخر:- إنَّ الارسال بنحو النسبة لا يختلف شدّةً وضعفاً حتى يقال إنّ الصيغة موضوعةٌ للارسال الشديد دون الضعيف فإنّ هذا لا معنى له لأنّ لازمه أنّ الاسال الملحوظ بنحو النسبة يكون شديداً تارةً وأخرى يكون ضعيفاً وهو لا يتّصف بذلك، فعلى هذا الأساس لا يمكن أن تكون الصيغة موضوعة للنسبة الارسالية الوجوبية - يعني الشديدة - فإنّ وضعها للنسبة الارسالية الوجوبية - يعني الشديدة - والنسبة الارساليّة لا تتّصف بالشدّة والضعف . نعم الارسال بنحو المعنى الإسمي قد يتّصف بالشدّة والضعف أمّا بنحو النسبة فلا، فلا توجد عندنا نسبتان إرساليتان إحداهما شديدة والاخرى ضعيفة حتى نقول إنَّ الصيغة موضوعة للنسبة الارسالية الوجوبيّة - أي الشديدة -.
وفيه:- كما أنّ الارسال الخارجي يتّصف بالشدّة والضعف كذلك الارسال التشريعي - أي إرسال المولى لعبده -.
وإذا قلت:- إنّ الارسال بنحو النسبة لا يتّصف بالشدة والضعف.
قلت:- إنّه يتّصف بذلك إمّا باعتبار مقارِناته أو باعتبار منشأه، فإنّه من خلال هذين يتّصف الارسال الملحوظ بنحو النسبة بالشدّة والضعف.
أمّا اختلافه باعتبار المقارِنات فلأنّي تارةً أقول للعبد ( قم ) مع الابتسامة، ومرة أقول له ( قم ) مع الغضب واحمرار الوجه والصوت العالي، هنا صارت النسبة الارسالية قوّية لكن باعتبار مقارِناتها لا باعتبار نفسها، بخلاف ما لو كانت مع الابتسامة والليونة.
وأمّا اختلاف النسبة الارسالية باعتبار المنشأ فذلك ببيان أنّ منشأ الارسال هو الارادة وتارةً تكون إرادة الآمر شديدة لهذا الشيء فالنسبة الارسالية سوف تكون شديدة ولكن باعتبار منشأها، وأخرى تكون ضعيفة فتكون النسبة الارسالية ضعيفة باعتبار منشأها.
إذن نحن نسلّم لصاحب هذا البيان أنّ النسبة الارسالية في حدّ ذاتها لا تتّصف بالشدّة والضعف ولكن باعتبار إمّا مقارناتها أو أو باعتبار منشأها تتّصف بذلك، وبالتالي يحصل عندنا نحوان من النسبة غايته أنهما حصلا ثانياً وبالعرض لا أوّلاً وبالذات وهذا لا مانع منه، فيمكن أن يقول صاحب الكفاية(قده) أنّ الصيغة موضوعة للهيأة الارساليّة الناشئة من الإرادة الشديدة وحينئذٍ يرتفع عنه الاشكال.
بيد أنّ الشيخ النائيني(قده) قال في هذا المقام:- أنا لا أقبل بأنّ الإرادة تتّصف بالشدّة والضعف، فلا يوجد عندنا إرادة شديدة وضعيفة، بل توجد إرادة شديدة فقط، لأنّ الضعيفة لا تكون محرّكةً للعضلات، وحَدُّ الإرادة أن تبلغ درجةً تكون محرّكةً للعضلات، فإذا كان ضعيفة وليست محرّكةً فهذه ليست إرادة.
فإن قلت:- إذن الاختلاف بين الوجوب والاستحباب بم يكون ؟
قلت:- إنّه لا بشدّة الارادة وضعفها، يعني لا أقول أنّ الوجوب طلبٌ ناشئٌ من إرادةٍ شديدة والاستحباب ناشئ من إرادةٍ ضعيفة، بل الفارق بينهما من حيت المصلحة، فالوجوب طلبٌ ناشئٌ من مصلحةٍ لزوميّةٍ، والاستحباب طلبٌ ناشئٌ من مصلحةٍ غير لزوميّة[1].