37/03/23


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة / شرائط جريان الأصول العملية

قبل الانتقال إلى الاعتراض الثاني نذكر شيئاً يرتبط بكلام المحقق النائيني(قدّس سرّه) المتقدّم، حيث تقدّم سابقاً أنّ المحقق النائيني(قدّس سرّه)بعد أن ذكر المطلب الذي تقدّم نقله استشهد على ذلك بمثال الدين، أنّ التاجر إذا كان يسجّل ديونه في دفتر، فلا يجوز له الرجوع إلى البراءة قبل الرجوع إلى الدفتر، فجعله شاهداً على أنّه في محل الكلام أيضاً لا يجوز الرجوع إلى البراءة إلا بعد الفحص حتّى بعد العثور على مقدار من التكاليف لا يقل عن المعلوم بالإجمال، مع ذلك لابدّ من الفحص ولا تجري البراءة. الجماعة أشكلوا على هذا المثال، وقالوا أنّه لا يصلح أن يكون شاهداً في محل الكلام، وذلك باعتبار أنّ وجوب الفحص في هذا المثال يكون ثابتاً بقطع النظر عن العلم الإجمالي، ليس وجوب الفحص من جهة العلم الإجمالي حتى يكون شاهداً في محل الكلام، وإنّما هذا التاجر الذي جرت عادته على أن يسجّل ديونه في دفتر، لو فرضنا أنّه كان لا يعلم بالدين، وإنّما احتمل وجود دين بأن جاءه شخص وقال له أنت مدين لي بكذا وطلب منه أن يلاحظ الدفتر، العقلاء يلزمونه بمراجعة الدفتر مع أنّه لا يوجد علم إجمالي، وإنّما هنا يوجد شك بدوي في الدين، هنا توجد خصوصية ليس وجوب الفحص في هذا المثال من جهة العلم الإجمالي حتى يُجعل شاهد في محل الكلام، وإنّما هذا ثابت بقطع النظر عن العلم الإجمالي، من تكون عادته أن يسجل في دفتر العقلاء لا يرضون منه أن لا يراجع الدفتر حتى في موارد الشك البدوي في الدين وعدم وجود العلم الإجمالي، هذا ينبغي أن يكون له سبب أن آخر غير العلم الإجمالي؛ ولذا هذا المثال أجنبي عن محل الكلام ولا يصلح أن يكون شاهداً في محل الكلام.
الاعتراض الثاني ــــــــعلى الوجه الأول الذي هو الاستدلال بالعلم الإجمالي على وجوب الفحص وعدم جريان البراءة قبل الفحص ــــــــ هو ما أشار إليه الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه)، حيث أنّه في الرسائل عندما ذكر دليل العلم الإجمالي الذي يُستدل به على الفحص ذكر ما مضمونه أنّ هذا العلم الإجمالي لا يصلح أن يكون دليلاً على وجوب الفحص؛ لأنّ هذا العلم الإجمالي إن لم ينحل بالفحص؛ حينئذٍ يكون مانعاً من الرجوع إلى البراءة ولو بعد الفحص؛ لأنّ المفروض أنّ العلم الإجمالي لا ينحل، فإذا كان العلم الإجمالي هو الذي يمنع من جريان البراءة، فهو يمنع من جريان البراءة ليس فقط قبل الفحص؛ بل حتى بعد الفحص يمنع من جريان البراءة؛ لأنّه لم ينحل.
وأمّا إذا فرضنا انحلال العلم الإجمالي بالفحص؛ حينئذٍ لا يبقى مقتضي للفحص في الوقائع الآتية، فيمتا يبتلي به هذا المكلّف الذي فحص وعثر على جملة من الأحكام الواقعية، وكان ذلك موجب لانحلال العلم الإجمالي، في ما يعرض عليه من الوقائع ينبغي أن نلتزم بعدم وجوب الفحص لانحلال العلم الإجمالي. فالأمر كأنّه يدور بين أن يكون العلم الإجمالي منحلاً، أو غير منحل بالفحص، فحص المجتهد في الأدلة عن حكم الوقائع التي عرضت عليه، وعثر على جملة من الأحكام الشرعية إذا لم ينحل العلم الإجمالي، فهذا معناه أنّه لا يجوز له إجراء البراءة حتى بعد الفحص، لبقاء العلم الإجمالي؛ لأنّ المانع من جريان البراءة هو العلم الإجمالي، والعلم الإجمالي لم ينحل، فإذن: لا يجوز له إجراء البراءة حتى بعد الفحص، إذا انحل العلم الإجمالي؛ حينئذٍ لا يبقى مقتضي للفحص بعد انحلال العلم الإجمالي، وبالنسبة للوقائع الآتية يجوز له إجراء البراءة فيها من دون فحصٍ.
بعبارة أخرى: إنّ المكلّف لا يخلو: إمّا أنّه بالفحص في الأدلة لا يعثر على ما يكون بمقدار المعلوم بالإجمال، وبالتالي لا ينحل عنده العلم الإجمالي، وإمّا أن نقول أنّه بالفحص والعثور على جملة من الأحكام الشرعية بمقدار المعلوم بالإجمال ينحل علمه الإجمالي، إذا فرضنا أنّه بالفحص لم ينحل علمه الإجمالي، هذا معناه أنّه لا يجوز له الرجوع إلى البراءة بعد الفحص، يعني كما لا يجوز له الرجوع إلى البراءة قبل الفحص كذلك لا يجوز له الرجوع إلى البراءة بعد الفحص لبقاء العلم الإجمالي، والمفروض أنّ العلم الإجمالي هو المانع من إجراء البراءة، فلا يجوز له الرجوع إلى البراءة بعد الفحص. وإذا فرضنا انحلال العلم الإجمالي؛ حينئذٍ يرِد هذا الإشكال، وهو أنّه حينئذٍ لا يكون هناك مقتضٍ لوجوب الفحص في الوقائع القادمة التي بتلي بها هذا المكلّف؛ لأنّ الفحص إنما هو من جهة العلم الإجمالي وقد انحل. هذا ما ذكره الشيخ الأنصاري(قدّس سرّه).
كلامنا فعلاً في الشق الأول من الإشكال، باعتبار أنّ الشق الثاني هو نفس الاعتراض الذي نقلناه عن صاحب الكفاية(قدّس سرّه) وقلنا أنّ الشيخ(قدّس سرّه) أشار إليه، الشق الثاني يقول: إذا فحص المكلّف في الأدلة وعثر على أحكام واقعية في ضمن الإمارات المعتبرة لا يقل عددها عن المعلوم بالإجمال ينحل العلم الإجمالي، وإذا انحل العلم الإجمالي، فهذا معناه أنّه لا يجب عليه الفحص في الوقائع القادمة؛ بل يجوز له إجراء البراءة في كل شبهة من دون أن يفحص عن دليلها ومدركها؛ لأنّ العلم الإجمالي انحل. هذا الشق الثاني من كلام الشيخ الأنصاري(قدّس سرّه) هو نفس الاعتراض الأول المتقدّم وقد تقدم الكلام فيه، كلامنا فعلاً في الشق الأول، وحاصل ما يريد أن يقوله هو : أننا إذا فحصنا ولم نعثر على ما يدل على ثبوت الحكم في الواقعة التي ابتلينا بها وشككنا في حكمها لا يجوز لنا الرجوع إلى البراءة بعد الفحص. فحصنا في الكتب الواصلة إلينا ولم نعثر على دليل ومدرك في حكم هذه الواقعة، فهل يجوز إجراء البراءة، أو لا يجوز إجراء البراءة ؟ بناءً على الاستدلال بالعلم الإجمالي هذا الفحص الذي فحص عنه المجتهد إذا لم يوجب انحلال العلم الإجمالي كما هي القاعدة في الوقائع الجديدة، أول واقعة تعرض عليه يفحص عن دليلها، فإذا لم يعثر عليه، مقتضى الاستدلال بالعلم الإجمالي هو أنّه لا يجوز له الرجوع إلى البراءة لبقاء العلم الإجمالي. المجتهد لا ينحل علمه الإجمالي بالفحص من بداية الأمر، وإنّما لابدّ أن يستمر يفحص في جملة من الوقائع ويعثر على جملة ن الأحكام لا تقل عن المعلوم بالإجمال حتى ينحل علمه الإجمالي، قبل ذلك أول واقعة ترد عليه، ثاني واقعة.....عاشر واقعة وردت عليه اشتبه في حكمها وفحص في الأدلة ولم يعثر على مدرك حكمها، الجماعة يقولون يجوز له إجراء البراءة مع أنّه لو كان الدليل على وجوب الفحص وعدم جواز إجراء البراءة هو العلم الإجمالي لكان مانعاً من الرجوع إلى البراءة حتى بعد الفحص، هذا العلم الإجمالي كما يمنع من الرجوع إلى البراءة قبل الفحص كذلك يمنع من الرجوع إلى البراءة بعد الفحص، بينما هم لا يقولون بهذا، هم يريدون أن يصلوا إلى نتيجة أنّ المكلّف قبل الفحص لا يجوز له إجراء البراءة ويجوز له إجراء البراءة بعد الفحص وعدم العثور على مدرك لحكم هذه الواقعة. إذن: بعد أن يفحص عن حكم هذه الواقعة ولا يعثر على دليل يقولون بأنّه يجوز له إجراء البراءة، بينما لو كان المدرك هو العلم الإجمالي؛ فحينئذٍ يجوز له إجراء البراءة، وهذا ممّا لا يلتزمون به. هذا هو الإشكال.
أجيب عن هذا الإشكال، واشار الشيخ(قدّس سرّه) إلى هذا الجواب بأنّ ما نعلمه إجمالاً هو وجود التكاليف الواقعية الإلزامية في الوقائع والمشتبهات التي يتمكن المكلّف من الوصول إلى مداركها إذا فحص، هذا هو ما نعلمه إجمالاً؛ حينئذٍ يقال أنّ المكلّف إذا فحص في واقعة عن مدركها ولم يعثر على دليل ومدرك؛ حينئذٍ يجوز له إجراء البراءة؛ لأنّ عدم عثوره على مدرك في تلك الواقعة يعني أنّ تلك الواقعة خارجة عن دائرة العلم الإجمالي، يعني أنّ تلك الواقعة ليست طرفاً من أطراف العلم الإجمالي، فيجوز الرجوع فيها إلى البراءة وإن بقي العلم الإجمالي فيها على حاله ولم ينحل، وإنّما يجوز الرجوع فيها إلى البراءة ليس من جهة انحلال العلم الإجمالي حتى نقول أنّ العلم الإجمالي لم ينحل، فيقتضي عدم جواز الرجوع إلى البراءة، وإنّما نقول بجواز الرجوع إلى البراءة باعتبار أنّ هذه الواقعة ليست من أطراف العلم الإجمالي، فإذا لم تكن من أطراف العلم الإجمالي، فلا مانع من الرجوع إلى البراءة فيها. نكتة البحث هي دعوى أنّ العلم الإجمالي، نحن لا نعلم إجمالاً بوجود أحكام واقعية، وإنّما ما نعلمه إجمالاً هو وجود أحكام واقعية مقيّدة بإمكان الوصول إلى مداركها عند الفحص، فإذا فحص في مظان وجودها ولم يعثر على مدرك، هذا معناه أنّ تلك الواقعة خارجة عن دائرة العلم الإجمالي، فغذا كانت خارجة عن دائرة العلم الإجمالي يجوز الرجوع فيها إلى البراءة، فيمكن الرجوع إلى البراءة، لماذا تقولون بعد الفحص أيضاً لا يجوز الرجوع إلى البراءة لبقاء العلم الإجمالي ؟ صحيح العلم الإجمالي باقٍ ولا نقول أنّه ينحل بالفحص عن الوقائع في الزمن الأول ــــــــ مثلاً ـــــــ لكن يجوز الرجوع إلى البراءة في تلك الواقعة التي لم يعثر على مدرك فيها بعد الفحص؛ لأنّها خارجة عن دائرة العلم الإجمالي المنجّز، العلم الإجمالي ينجّز أطرافه ولا ينجّز ما هو خارج عن أطرافه، هو ينجّز كل حكم شرعي يمكن الوصول إليه والعثور على مدركه بعد الفحص، أمّا الحكم الشرعي الذي لا يمكن العثور على مدركه بعد الفحص، فهو خارج عن دائرة العلم الإجمالي ولا منجّز له، فيجوز الرجوع فيه إلى البراءة وإن بقي العلم الإجمالي غير منحل؛ لأنّ جواز الرجوع إلى البراءة ليس من جهة انحلال العلم الإجمالي حتى يقال بالفرض العلم الإجمالي باقٍ، وإنّما هو من جهة أننا نستكشف أنّ تلك الواقعة ليست من أطراف العلم الإجمالي. هذا الجواب الذي ذكره الشيخ(قدّس سرّه).
لكن الشيخ(قدّس سرّه) هو نفسه تنظّر في هذا الجواب، وقال أنّ هذا الجواب لا يخلو من نظر؛ وذلك باعتبار أنّ الشيخ(قدّس سرّه) يقول أنّ العلم الإجمالي هو بين جميع الوقائع وتمكّن المكلف من الوصول إلى مدرك الحكم في تلك الوقائع ليس دخيلاً في العلم الإجمالي، ما نعلمه هو وجود أحكام واقعية في ضمن الشبهات وليس ما نعلمه هو وجود أحكام واقعية مقيدة بهذا القيد(يمكن الوصول إلى مدركها عند الفحص)، فهو ينكر وجود هذا التقييد في المعلوم بالإجمال، ويقول أنّ دعوى اختصاص أطراف العلم الإجمالي بالمتمكن من الوصول إلى مدركها مجازفة. وفي الحقيقة أنّ مرجع هذا الجواب إلى أنّ المعلوم بالإجمال في محل كلامنا يقول الجواب أنّ له علامة خاصة، وهي إمكان العثور على مدركها بالفحص، فإذا فحصنا ولم نعثر يتبين أنّ هذه الواقعة خارجة عن دائرة العلم الإجمالي، فيجوز الرجوع فيها إلى البراءة . جواب الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) يقول المعلوم بالإجمال في علمنا الإجمالي الذي نتكلّم عنه ليس له علامة خاصة؛ لأنّ ما نعلمه إجمالاً من التكاليف ليس كلّه واجداً لهذه الميزة والعلامة؛ إذ يمكن فرض وجود أحكام واقعية إلزامية لم تصل إلينا، بالرغم من الفحص لا نعثر عليها مع وجودها. إذن: ليس كل ما نعلمه إجمالاً بالضرورة يمكن الوصول إلى مدركه لو فحصنا في مظان وجودها؛ بل قد يكون هناك أحكام إلزامية واقعية حقيقية لا تصل إلينا في الكتب، هذا هو ما نعلمه إجمالاً. إذن: ما نعلمه إجمالاً ليس مقيداً بهذا القيد وهو أعم من هذا القيد، نعلم بوجود أحكام واقعية في ضمن الشبهات، فحينئذٍ نقول إذا فحصنا ولم نعثر على مدرك لحكم في واقعة والعلم الإجمالي بعد باقٍ لم ينحل ــــــــ بحسب الفرض ــــــــ ينبغي أن نلتزم بعدم جواز الرجوع إلى البراءة بعد الفحص، وهذا ما لا يلتزمون به؛ لأنّهم يقولون في كل واقعة إذا فحص المجتهد عن مداركها ولم يعثر عليها يجوز له الرجوع إلى البراءة بعد الفحص. هذا هو الجواب الأول عن الاعتراض الثاني وتبيّن أنّه إلى الآن تام، وأنّ الإيراد الذي أورده الشيخ (قدّس سرّه) أجاب عنه الشيخ (قدّس سرّه) نفسه وجوابه عن هذا الإيراد تام، فيبقى الاعتراض على حاله.
الجواب الثاني: يمكن الجواب عن الاعتراض الثاني من دون فرض التقييد في العلم الإجمالي الكبير، وإنّما ما نعلمه بالإجمال هو أحكام واقعية إلزامية في ضمن الشبهات بلا قيد، يمكن أن لا نلتزم بالتقييد حتى لا يرد الإشكال الذي ذكره الشيخ الأنصاري (قدّس سرّه) ومع ذلك يمكن الجواب عن الاعتراض الثاني، وذلك بأن يقال: أنّ العلم الإجمالي بوجود أحكام واقعية إلزامية في ضمن الوقائع جميعاً منحل بعلم إجمالي أصغر منه؛ لأننا كما نعلم بوجود أحكام واقعية إلزامية في ضمن الوقائع، كذلك نعلم بوجود تكاليف واقعية فيما بأيدينا من الإمارات الموجودة في الكتب الواصلة إلينا لا يقل هذا المعلوم بالعلم الإجمال الثاني عن المعلوم بالعلم الإجمالي الأوّل، فينحل العلم الإجمالي الكبير بالعلم الإجمالي الصغير، فإذا تحقق الانحلال؛ حينئذٍ ما يتنجز على المكلّف هو أطراف العلم الإجمالي الصغير كما هو مقتضى القاعدة في باب الانحلال، بمعنى أنّ العلم الإجمالي الكبير يسقط عن التنجيز، وينتقل التنجيز إلى العلم الإجمالي الصغير، فينجز أطرافه؛ حينئذٍ إذا فحصنا في الكتب الواصلة إلينا وفي الإمارات الموجودة في هذه الكتب ولم نجد أي إمارة تدل على ثبوت التكليف في تلك الواقعة التي نشك في حكمها كما افترضنا، من الواضح أنّ هذه الواقعة تكون خارجة عن دائرة العلم الإجمالي الصغير؛ لأنّ العلم الإجمالي الصغير يقول أنا أعلم بوجود أحكام إلزامية واقعية في ضمن الإمارات الموجودة في الكتب الواصلة إلينا، فإذا بحثت في الكتب الواصلة إلينا ولم أعثر على إمارة تدل على ثبوت التكليف في هذه الواقعة، فهذا معناه أنّ هذه الواقعة خارجة عن أطراف العلم الإجمالي الصغير، والمفروض أنّ التنجيز يختص بأطراف العلم الإجمالي الصغير، أمّا ما عدا أطرافه فلا يستطيع العلم الإجمالي الصغير أن ينجزه بعد الانحلال، فيتبين أنّ هذه الواقعة خارجة عن أطراف العلم الإجمالي الصغير، فلا يثبت فيها التنجيز، فيجوز الرجوع فيها إلى البراءة.
هذا الجواب يتخلّص من الإشكال الذي أورد على الجواب الأول؛ لأنّه لا يقيد المعلوم بالإجمال بالعلم الإجمالي الكبير، بأنّه مقيد بعلامة وهي أنّه يمكن الوصول إلى مدركه بالفحص، لكننا التزمنا بانحلاله بالعلم الإجمالي الصغير، والعلم الإجمالي الصغير إنّما ينجز أطرافه وبعد الفحص يتبين أنّ هذه الواقعة ليست من أطراف العلم الإجمالي الصغير، فيجوز الرجوع فيها إلى البراءة. إذا أردنا أنّ نمثّل لهذا الجواب، نمثّل له بمثال الغنم، أعلم بوجود عدد من الشياه في ضمن هذا القطيع محرّمة الأكل، بعد ذلك حصل لدي علم بأنّ البيض من هذه الشياه أيضاً محرّمة الأكل بمقدار لا يقل عن المعلوم بالعلم الإجمالي الأول، ينحل العلم الإجمالي الكبير بالعلم الإجمالي الصغير، فإذا فحصت في هذه الشياه وعثرت على شاة سوداء، فأنّه يجوز الرجوع فيها إلى البراءة؛ لأنّ العلم الإجمالي الكبير الذي كان يشمل السوداء انحل وسقط عن التنجيز، فصار التنجيز لدائرة العلم الإجمالي الصغير الذي هو مختص بالشياه البيض، فإذا فحصت وعثرت على شاة سوداء فأنّها تكون خارجة عن دائرة العلم الإجمالي الصغير ويجوز الرجوع فيها إلى البراءة بلا إشكال. وما نحن فيه هو من هذا القبيل.