37/03/14


تحمیل

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الموضوع: الأصول العمليّة / شرائط جريان الأصول العملية

 

ذكرنا في الدرس السابق كلاماً للمحقق النائيني(قدّس سرّه) في دفع اعتراض صاحب الكفاية (قدّس سرّه)، إلاّ أنّ ما ذكره (قدّس سرّه) غير واضح، وهو مجرّد دعوى إلى الآن ونحتاج إلى أن نفهم ما هو مراد المحقق النائيني(قدّس سرّه) بهذا الكلام، ما معنى أنّ المعلوم بالإجمال إذا كان له علامة، أو تميّز؛ فحينئذٍ العثور على مقدار المعلوم بالإجمال لا يوجب انحلال العلم الإجمالي ؟ لماذا لا يوجب انحلاله ؟ وما هو الفرق بين الحالة الثانية والحالة الأولى ؟

المحقق النائيني(قدّس سرّه) كأنّه يريد أن يقول أنّ المعلوم بالإجمال إذا كان من البداية مردداً بين الأقل والأكثر، في هذه الحالة العثور على مقدار المعلوم بالإجمال يوجب الانحلال، كما هو الحال في الحالة الأولى في الفرض الأول الذي افترضناه، في مثال القطيع من الغنم التي يعلم صاحبها أنّ فيها ما هو محرّم، وهو مردد بين الأقل والأكثر، لا يعلم هل المحرّم عشرة أو عشرون. في هذه الحالة يقول المحقق النائيني(قدّس سرّه) أنّ الانحلال يتحقق، بمعنى أنّ المكلّف إذا فحص وعثر على مقدار المعلوم بالإجمال، عثر على عشرة من الغنم وميّز هذه العشرة بأنّها موطوءة إنسان، فتكون محرّمة، فينحل العلم الإجمالي، والسر في ذلك أنّ العلم الإجمالي إذا كان مردداً من البداية بين الأقل والأكثر هو لا ينجز إلا الأقل الذي هو في المثال العشرة، غاية الأمر أنّ هذه العشرة قبل الفحص والبحث هي مرددة بين أفراد القطيع كلّه، وكل فرد من القطيع هو طرف لهذا العلم الإجمالي، لكن بعد العثور على عشرة موطوءة إنسان؛ حينئذٍ ينحل هذا العلم الإجمالي؛ لأنّه لم ينجّز إلا الأقل، والنكتة هي أنّ التردد بين الأقل والأكثر هو من بداية الأمر، وهو بمرتبة العلم وليس متأخّراً عنه.

وأمّا إذا فرضنا أنّ المعلوم بالإجمال له عنوان خاص، وهذا العنوان الخاص بما له من الأفراد هو الذي يكون معلوماً بالإجمال بعنوانه وترددت أفراده بين الأقل والأكثر، وهذا هو الذي يقول عنه أنّ له علامة وتميز ويمثّل له بمثال وهو ما إذا علم أنّ البيض في هذا القطيع من الغنم هي موطوءة إنسان، وترددت البيض بين عشرة وبين عشرين، هنا يقول بأنّه إذا علم بالتفصيل بعد الفحص والبحث بأنّ هذه العشرة من القطيع موطوءة إنسان؛ فحينئذٍ لا ينحل العلم الإجمالي؛ لأنّ العلم الإجمالي في هذه الحالة يختلف عن العلم الإجمالي في الحالة الأولى، العلم الإجمالي في الحالة الأولى لم ينجّز إلا الأقل، الأقل قبل الفحص منجّز على المكلف وكل طرف هو طرف للعلم الإجمالي يجب اجتنابه، لكن بعد الفحص والعثور على مقدار المعلوم بالإجمال المنجّز على المكلّف، يعني بعد العثور على عشرة محرّمة موطوءة إنسان ينحل العلم الإجمالي قهراً، فيجوز الرجوع إلى البراءة في الباقي، أما عندما نفترض وجود علامة للمعلوم بالإجمال وأنّه مميّز بعنوانٍ خاص ويكون منجّزاً بهذا العنوان، بمعنى أنّ العلم الإجمالي ينجّز حرمة الغنم البيض الواقعية بما لها من الأفراد الواقعية، وهذه الغنم البيض ترددت بين الأقل والأكثر، هنا يقول بأنّ العلم الإجمالي بمقدار المعلوم بالإجمال لا يوجب انحلال العلم الإجمالي، فإذا فتش وفحص وعثر على عشرة موطوءة إنسان، هذا لا يوجب انحلال العلم الإجمالي؛ لأنّ العلم الإجمالي تنجّز بعنوانه على المكلّف، ومن المحتمل أن يكون العنوان منطبقاً على الباقي، يعني يُحتمل أن يكون في الباقي غنم بيض موطوءة إنسان غير المقدار الذي عثر عليه بالفحص، يُحتمل أن يكون ما تنجّز عليه موجودا في الزائد، وهذا يمنع من انحلال العلم الإجمالي. هذا ما أراد المحقق النائيني(قدّس سرّه) أن يقوله والذي يُفهم من كلامه؛ ولذا يقول : في هذه الحالة لابدّ من الفحص التام ولا يجوز الرجوع إلى البراءة في الزائد بمجرّد أن يعثر على عشرة من الغنم موطوءة إنسان ومحرمة، هذا لا يكفي لانحلال العلم الإجمالي؛ بل يبقى العلم الإجمالي على حاله، وهو يمنع من الرجوع إلى البراءة قبل الفحص. السرّ في ما قاله هو أنّه في الحالة الأولى واضح أنّ الشك والتردد بين الأقل والأكثر موجود من البداية، يعني موجود في مرتبة العلم، بمعنى أنّه في الواقع والحقيقة وإن كان هناك ترددّ بين الأقل والأكثر، لكنّه تردد صوري ليس له واقع، في الواقع المكلّف يعلم بالأقل ويشك في الزائد، في الواقع لا يوجد علم، وإنّما توجد قضية متيقنة وتوجد قضية مشكوكة من البداية، ما يعلمه المكلّف من البداية هو الأقل وما زاد عليه يكون مشكوكاً، قضية التردد بين الأقل والأكثر ليس شيئاً متأخّراً عن فرض العلم بالشيء، في الصورة الأولى من البداية يوجد تردد بين الأقل والأكثر، يعني توجد قضية متيقنة وهي الأقل، وتوجد قضية مشكوكة وهي المقدار الزائد على الأقل، وهذا من البداية، عندما علم بوجود ما هو موطوء إنسان في هذا القطيع وتردد بين الأقل والأكثر، يعني صارت لديه قضية متيقنة وهي أنّ الأقل قطعاً موطوء إنسان والزائد مشكوك، وهذا التردد ليس متأخّراً عن العلم، وإنّما هو موجود في مرتبة العلم؛ بل في الحقيقة ما يعلمه المكلّف هو الأقل، والزائد لا يوجد فيه علم.

إذن: من البداية القضية مرددة بين الأقل والأكثر، يعني مرددة بين قضية متيقنة وهي الأقل وقضية مشكوكة وهي عبارة عن الزائد، ومن الواضح أنّه في هذه الحالة لا يتنجّز عليه إلاّ الأقل، العلم الإجمالي الموجود في المقام ينجّز على المكلّف الأقل، قبل الفحص وقبل العثور على مقدار معلوم بالإجمال من الغنم موطوءة إنسان تنجّز عليه الأقل، وهذا الأقل مبثوث في ضمن القطيع كلّه، فيجب عليه الاحتياط وكل طرف من هذا القطيع هو طرف من أطراف العلم الإجمالي، هذا قبل الفحص. إذن: العلم الإجمالي نجّز عليه الأقل، والأقل يُحتمل وجوده هنا وهنا وهنا ........وهكذا، يعني يجب عليه الاحتياط، لكن بعد أن يفحص ويعثر على عشرة وهي المقدار الأقل المنجّز عليه؛ حينئذٍ ينحل العلم الإجمالي، هو تنجّز عليه الأقل والذي كان يعلم به إجمالاً في ضمن هذا القطيع، والآن هو حصره في عشرة؛ لأنّه علم بالتفصيل أنّ هذه العشرة هي موطوءة إنسان، فينحل العلم الإجمالي بهذا العلم التفصيلي الحاصل من الفحص والعثور على عشرة موطوءة إنسان، فينحل هذا العلم الإجمالي، إذا انحل هذا العلم الإجمالي؛ حينئذٍ ليس هناك داعٍ للفحص في الباقي، فيتم كلام صاحب الكفاية (قدّس سرّه). هذا في الحالة الأولى.

في الحالة الثانية هناك نوع من الترتب والطولية بين مرتبة العلم وبين مرتبة الشك والتردد بين الأقل والأكثر، في الحالة الثانية المكلّف في مرتبة العلم ليس لديه إلاّ العلم وليس لديه تردد وشك، الشك والتردد بين الأقل والأكثر يكون في مرتبة متأخرة، المكلّف في مرتبة العلم لديه وضوح وعلم وانكشاف تام بأنّ البيض من الغنم موطوءة إنسان، هذا أمر هو يجزم به وليس فيه تردد، في مرتبة متأخّرة وبعد الفراغ عن أنّ الغنم البيض الموجودة في هذا القطيع موطوءة إنسان ومحرّمة؛ حينئذٍ يلتفت إلى عدد هذه الغنم البيض ويدور أمرها بين الأقل والأكثر، هنا تأتي مرتبة الشك والتردد بين الأقل والأكثر، فتكون متأخّرة عن مرتبة العلم، في هذه الحالة العثور على مقدار عشرة من الغنم المحرّمة لا يوجب انحلال هذا العلم الإجمالي؛ لأنّ ما تنجّز عليه بالعلم هو عبارة عن الغنم البيض بما لها من الأفراد الواقعية وليس تنجّز عليه الأقل؛ لأنّ التردد بين الأقل والأكثر لم يكن موجوداً من بداية الأمر. هذا التوضيح لكلام المحقق النائيني(قدّس سرّه) مأخوذ من كلام المحقق الشيخ حسين الحلي (قدّس سرّه)[1] في مقام توضيح ما ذكره استاذه المحقق النائيني(قدّس سرّه)، وضّحه بهذا الشكل، ثمّ ذكر بأنّ العلم الإجمالي في الحالة الأولى يكون في مرتبة حدوثه ـــــــ وهذا مهم جداً ـــــــ يكون متقطعاً إلى قضية متيقنة وقضية مشكوكة، هو من البداية ينحل إلى قضية متيقنة وقضية مشكوكة؛ لأنّه ليس لديه علم إلا بالأقل بخلاف الحالة الثانية، فأنّ العلم فيها في مرتبة حدوثه لا يوجد فيه شك ولا تردد ولا ينحل إلى قضية متيقنة وقضية مشكوكة؛ بل هو عبارة عن قضية واحدة متيقنة لا شك فيها، وإنما يكون الشك في مقدار الموجود من موضوع تلك القضية المتيقنة الذي هو الغنم البيض التي يعلم بحرمتها، مقدار هذا الموضوع هو يشك في أنّه يتردد بين الأقل والأكثر.

بناءً على هذا حينئذٍ يقال: أنّ العلم بمقدار المعلوم بالإجمال الذي هو الأقل في الحالة الأولى يكون موجباً لانحلال العلم الإجمالي؛ وحينئذٍ لا موجب للفحص بعد انحلاله ويتم اعتراض صاحب الكفاية (قدّس سرّه)، وأمّا في الحالة الثانية لا يكون العلم بالأقل موجباً لانحلال العلم الإجمالي؛ لأنّ المفروض أنّه تنجّز عليه حرمة الأفراد البيض الواقعية من القطيع، فلابدّ من الاجتناب عنها، وحيث أنّه يحتمل وجودها في الباقي بعد العلم بالأقل، فلا يجوز إجراء البراءة قبل الفحص.

الآن نأتي إلى كيفية تطبيق هذا الكلام على محل كلامنا، في محل الكلام يدّعي المحقق النائيني(قدّس سرّه) بأنّ ما نحن فيه يدخل في الحالة الثانية؛ لأنّ المعلوم بالإجمال في محل كلامنا هو عبارة عن الأحكام الإلزامية الموجودة في ضمن الإمارات المعتبرة الموجودة في الكتب المعتبرة؛ لأنّه قال أنّ العلم الإجمالي الكبير ينحل بالعلم الإجمالي الصغير في دائرة الإمارات الموجودة في الكتب الواصلة إلينا، هو يقول: بأنّ هذا يجعل للمعلوم بالإجمال ميزة وعلامة وعنوان ويتنجّز بهذا العنوان، فإذا فرضنا أنّ الفقيه فحص وعثر على المقدار المعلوم بالإجمال من الأحكام الإلزامية التي قلنا أنّها مائة في المثال، بناءً على هذا ليس له الرجوع إلى البراءة في الزائد من دون فحصٍ عن الإمارات الموجودة في الكتب المعتبرة؛ لأنّ التكليف المعنون بهذا العنوان حيث أنه تنجّز على المكلّف بعنوان إمارات موجودة في الكتب المعتبرة؛ فحينئذٍ هو يحتمل انطباقه على الزائد على المقدار الذي عثر عليه، أي بمعنى أنّ الشبهة التي هي أزيد من المقدار بعد أن عثر على المقدار المعلوم بالإجمال تأتي شبهة زائدة ويحتمل أنّ هذه الشبهة يوجد فيها حكم إلزامي موجود في ضمن إمارة من الإمارات الموجودة في الكتب المعتبرة، هذا محتمل، فإذا كان محتملاً؛ فحينئذٍ يجب عليه الرجوع إلى الإمارات ولا يجوز له الرجوع إلى البراءة قبل الفحص عن تلك الإمارات؛ لأنّ ما نحن فيه يدخل في الحالة الثانية . هذا الذي ذكره المحقق النائيني(قدّس سرّه) لم يلقَ القبول من المحققين المتأخرين، حيث اشكل السيد الخوئي(قدّس سرّه) عليه، وتلامذته أيضاً تبعوه في هذا الإشكال.