37/03/30


تحمیل

الموضوع:- مقدمة الواجب.

تقريبٌ آخر للتسلسل وحاصله:- إنّ المقدّمة الموصلة لو كانت هي الواجبة للزم وجوب ذي المقدّمة لأنّ ذو المقّدمة قد أخذ قيداً في متعلّق الوجوب الغيري - أي المقدّمة الواجبة - فالمقدّمة هي السفر بشرط الإيصال إلى الحج مثلاً ، فوجوب الحج صار قيداً في متعلّق الوجوب الغيري فيصير واجباً ، فإذا صار واجباً لزم من ذلك وجوب مقدّمته الموصلة.

وننقل الكلام إليها ونقول إذا وجبت مقدّمته الموصلة هذه فيلزم من ذلك وجب ذي المقدمة ، فإذا صار ذو المقدّمة واجباً وجبت بذلك مقدّمته الموصلة ..... وهكذا فيلزم التسلسل.

وهذا التسلسل غير التسيلسل الذي بيّنه الشيخ النائيني(قده) فهو كان يقول إذا وجبت المقدّمة الموصلة والتي هي مركّبة من مقدّمة زائداً حيثية الإيصال فيقول كلّ واحدٍ من هذان هو جزءٌ فهو مقدّمةٌ داخليّة ، فنذهب إلى الجزء الأوّل - يعني إلى المقدّمة - فنقول هي واجبةٌ ولكن هل الوجوب منصبٌّ على ذات المقدّمة أو مع قيد الإيصال ؟ فإن كان منصباً على ذات المقدّمة فإذن ثبت ما نريد وهو أنّ ذات المقدّمة هو الواجب ، ففي كلّ مقدّمة نقول إنَّ ذاتها واجبة وليست بقيد الإيصال ، وإن قلت هي المقدّمة بقيد الإيصال فنقول حينئذٍ إنَّ المقدّمة بقيد الإيصال هي مركّبة من جزأين ... وهكذا ، فكنّا ننظر إلى التركّب من جزأين.

أمّا هنا فلم ننظر إلى التركّب من جزأين بل نقول من البداية إنّه إذا كانت المقدّمة الموصلة - يعني السفر الموصل للحج - هي الواجبة فسوف يلزم ذي المقدمة – أي وجوب الحج - لأنه أخذ قيداً في متعلّق الوجوب الغيري وجميع القيود المأخوذة في متعلق الوجوب تصير واجبة ، فسوف يصير الحجّ واجباً ، وإذا وجب الحج وجبت مقدمته الموصلة وجب الحج بوجوبٍ ثالث ، وإذا وجبت مقدّمته الموصلة وجب الحّج بوجوبٍ رابع .... وهكذا . إذن هذا التقريب ناظر إلى شيءٍ وذاك التقريب ناظر إلى شيء آخر.

ويردّه:-

أوّلاً:- يردّه ما أشرنا إليه في مناقشة التقريب السابق للتسلسل - الذي ذكره الشيخ النائيني(قده) - حيث قلنا إنّ قيد الإيصال قد أخذ بنحو المشيرية - أي الإشارة إلى ذات الحصّة الواجبة والتي يتعلّق بها الوجوب - لا أنّ الوجوب يحرّك ويتعلّق بالمقدّمة زائداً قيد الإيصال ، نظير أن تشير إلى السفر الذي حصل بعده الحج وتقول ( هذا السفر هو الواجب بالوجوب الغيري وهو مراد المولى وهو المحبوب له ) لا أنّه أريد أن أوجّه الوجوب إلى السفر وإلى قيد الإيصال ، بل أريد أن استعمل قيد الإيصال كمجرد مشير إلى ذات المقدّمة الواجبة ، فإذا كان مشيراً فلا يلزم من ذلك وجوب قيد الإيصال حتى يصير قيد ذو المقدّمة واجباً بوجوبٍ غيريٍّ جديدٍ وحتى يلزم بالتالي التسلسل ، إنما يلزم التسلسل لو فرض أنّ هذا القيد أخذ بنحو القيديّة بنحوٍ يحرّك نحوه الوجوب الغيري ولكن المفروض أنّه أخذ بنحو المشيرية لا أكثر.

ثانياً:- أنّه ذكر في التقريب وقال ( إذا وجبت المقدّمة الموصلة للحج مثلاً فسوف يجب الحج بوجوبٍ جديد والذي هو وجوب غيري ).

ونحن نقول:- هذا صحيح .

وتقول ( وإذا وجب ذو المقدّمة بوجوبٍ جديد وجبت مقدّمته الموصلة ).

ونحن نقول:- نحن نسألك هنا ونقول هل هذا الحج له مقدّمة موصلة ؟ فإن كانت له مقدّمة موصلة فصحيحٌ أنّه يلزم أن تكون واجبة والبتالي يلزم التسلسل ، ولكنه ليست له مقدّمة موصلة ، فإنّ الذي له مقدّمة موصلة هو الحجّ الأوّل الذي هو الحجّ الحقيقي وهو السفر الذي يوصل إليه فيلزم أن تكون المقدّمة الموصلة واجبة بالوجوب الغيري ، أمّا هذا الحج الثاني الذي هو حجٌّ افترضناه فهو ليس له مقدّمة فإنه مجرّد افتراض وتصوّر وليس له مقدّمة موصلة فأين التسلسل ؟!!

نعم لو افترضنا تحقّقه فحينئذٍ يلزم أن تكون له مقدّمة موصلة ، لكنه ليس بمتحقّقٍ ، بل هو مجرّد افتراض وليست له مقدّمة موصلة والذي يحتاج إلى مقدّمة موصلة هو الحج الأوّل . ولا يخفى لطفه.

الإشكال الثالث[1] :- ما أشار إليه الشيخ الخراساني(قده)[2] تبعاً لأستاذه الشيخ الأعظم(قده) في مطارح الأنظار ، وحاصل ما ذكره:- لو فرض إنَّ المكلّف ركب سيارةً ووصل إلى مكة المكرمة ولكن بعدُ لم يحن وقت الحج فنسأل فبعد أن وصل إلى مكة المكرمة ونقول هل الأمر بالمقدّمة سقط أو هو باقٍ ؟ أما احتمال كونه باقٍ فهو ضعيف لأنّه لو كان باقياً فسوف يلزم أن يعود إلى بلده ثم يسافر إلى مكة من جديد ، فحتماً هو ليس بباقٍ ، فإذن هو ساقطٌ ، فنختار الاحتمال الثاني وهو أنه ساقط.

وإذا كان ساقطاً نأتي ونقول:- لماذا سقط فما هي مسقطات الأمر وما هي مسقطات التكليف ؟

إنها ثلاثة ، إمّا الامتثال[3] ، وإما العصان[4] ، وإما فوات الموضوع[5] ، وفي موردنا فرضنا أنّه ركب السيارة ووصل إلى مكّة المكرّمة وفرضنا أنّ الأمر بالمقدّمة قد سقط فسقوطه يكون بأحد هذه الأمور الثلاثة ، أمّا العصيان فلا معنى لأن يكون هو السبب للسقوط لأنّه سافر ووصل إلى مكّة فهو ممتثل ، وأمّا فوات الموضوع فلا معنى له ، فإذن ليس هو ألا الامتثال وبذلك يثبت المطلوب - يعني أن الأمر الغيري متعلّقٌ بذات المقدّمة وليس بقيد الإيصال؛ إذ لو كان بقيد الإيصال فالإيصال بعدٌ لم يتحّقق لأنّ اليوم الذي وصل فيه إلى مكة هو السادس من ذي الحجة مثلاً والحج لم يحن وقته بعدُ فالمقدمة هنا ليست موصلة ولكن مع ذلك يسقط الأمر بالمقدّمة ، وهذا سقط بالامتثال وهذا يدلّ على أنّ الأمر الغيري متعلّق بذات المقدّمة.

فإن قلت:- إنّه يوجد مسقطٌ آخر وهو الوفاء بالغرض ، يعني قد يكون الشيء وافياً بالغرض ، فهو ليس متعلّقاً للأمر ولكنّه يفي بالغرض ، فإذا وفى بالغرض فسوف يسقط الأمر ، ولنقل في مقامنا إنّ الأمر كذلك ، فنقول إنّه حينما وصل المكلف إلى مكة في اليوم السادس لم يتحقّق امتثالٌ ولكن هذا وفاء بالغرض ، يعني أنّ الغرض من الأمر الغيري هو الوصول إلى مكّة فهو وصل إلى مكة فهذا الأمر قد سقط لا من باب الامتثال بل من باب الوفاء بالغرض.

قلت:- إنّ الفعل إذا كان وافياً بالغرض ولم يوجد مانعٌ من اتصافه بالوجوب لزم أن يكون الأمر متحقّقاً به ، وبالتالي يلزم أن يتحقّق الامتثال ، وبالتالي لا يوجد شقّ رابع - وهو الوفاء بالغرض - ، فالشقوق ثلاثة وهي الامتثال والعصيان وفوات الموضوع.

نعم إذا كان الشيء الوافي بالغرض يوجد مانع من اتصافه بالوجوب كسلوك الأرض المغصوبة لانقاذ الغريق فإنّه قد يقال بأنّه يوجد مانعٌ من اتصافها بالوجوب رغم أنّ هذا السلوك يفي بالغرض حيث يوصلك إلى الغريق وتنقذه ولكن يوجد مانعٌ من اتصافة بالوجوب هو الحرمة - الغصب - فهنا هذا السلوك لا يكون واجباً ، فإنّه وإن وفى بالغرض ولكن يوجد مانع ، أمّا إذا وفى بالغرض ولا يوجد مانعٌ فيلزم أن يتّصف بالوجوب ، وموردنا من هذا القبيل؛ إذ المفروض أنّه وافٍ بالغرض ولا يوجد مانعٌ ، لأنّه ركب السيارة المباحة وجلس في المكان المباح في مكة المكرّمة فأين المانع ؟! إنّه ليس موجوداً ، فإذن يلزم أن يكون السقوط بسبب تحقّق الامتثال ، وبذلك ثبت المطلوب.

ويردّه عليه نقضاً وحلاً:-

أمّا نقضاً:- ما رأيك في باب أجزاء كلّ واجب - كأجزاء الصلاة أو الحج - ؟ فلو فرض أنّه حلّ وقت صلاة الظهر مثلاً وشرعت فيها وأتيت بتكبيرة الإحرام فبعد أن أتيت بتكبيرة الإحرام هل يوجد فيها أمرٌ أو لا ؟ نعم يوجد فيها أمر ، وهل سقط أمرها أو لا رغم أني لم أأتِ ببقيت الأجزاء ؟ فإنّ قلت هو قد سقط فمعنى ذلك أنّه يجوز لي ترك هذه التكبيرة والذهاب إلى تناول الطعام مثلاً ثم أعود وأشرع ببقيّة الأجزاء ، وهل تلتزم بذلك ؟!! إنّك لا تلتزم بهذا.

فإذن الامر بعدُ لم يسقط والحال أن أمر التكبير متعلّق بالكبير ولكن مع ذلك لم يسقط رغم تعلّقه به ، بل هو باقٍ حتماً ، وكيف هو باقٍ حتماً والحال أنّ الممتعلّق قد أتيت به ؟ إنّ ما هو الجواب في باب الأجزاء هو الجواب هنا.


[1] الاشكال الثالث على فكرة المقدمة الموصلة.
[3] كما لو وجبت عليه الصلاة فصلاها، أو تغسيل الميت فغسّله.
[4] كما لو عصى ولم يصل صلاة الآيات إلى أن انتهى الوقت فهنا يسقط الامر بها وإذا أراد أن يحدث امرا بالقضاء فهو أمر جديد ويحتاج إلى دليل وإذا لم يوجد أمر بالقضاء فعلى هذا الأساس سوف يسقط الامر بالأداء ولكن سقوطه بسبب العصيان إلى أن انتهى الوقت، والامر بالوجوب قد سقط.
[5] كما لو أراد أن يغسل الميت فجاء سيل وأخ الميت فهنا انتفى الموضوع فهنا سوف يسقط التكليف.