37/04/20


تحمیل

الموضوع:- مقدمة المستحب والمكروه والحرام - مقدّمة الواجب.

وأما بالنسبة إلى النحو الثاني يعني التي ينفك تحققها عن تحقق الحرام:- فمن المناسب أن لا تكون مبغوضة فضلاً عن أن تكون محرمة بالحرمة الشرعية الغيرية إذ المفروض أن تحققها لا يلازم تحقق الحرام والقاعدة الوجدانية التي تقول ( من أبغض شيئاً أبغض مقدماته ) يعني أبغض المقدّمات التي لا تنفك عن تحقّق ذلك المبغوض أمّا التي تنفك عنه فلا تكون الملازمة في البغض ثابتة كما هو واضح.

إن قلت:- كيف ذهبتم في مقدّمة الواجب إلى أنّ جميع المقدّمات للواجب هي محبوبة وبناءً على الوجوب الغيري كلّها واجبة بالوجوب الغيري ، ولو أنكرنا فلا أقل يوجد حبّ وإرادة فكلها محبوبة وإرادة ، فلماذا قلتم في مقدات الواجب أن كلّ المقدّمات واجبة ملاكاً - أي على مستوى المحبوبية - أو بإضافة الجعل الشرعي يعني هي محبوبة بنحو الجعل الشرعي ولكن في مقدّمات الحرام قلتم لا تكون محرّمة بل الأخيرة التي لا تنفك وإذا كان الجميع ينفك فلا حرمة ولا بغض أبداً فما هي النكتة الفارقة بين مقدّمات الواجب حيث سلّمت بالملازمة على مستوى الحبّ والارادة وبين مقدّمات الحرام حيث لم تسلّم بالملازمة على مستوى البغض الكراهة ؟

قلت:- الجواب واضح ، فإنّ وجود الشيء يتوقّف على وجود جميع مقدّماته ، فكلّ مقدّمة دخيلة في وجوده ومن دونها لا يوجد ، وعلى هذا من أحب شيئاً أحبّ جميع المقدمات التي يتوقف عليها ذلك الشيء فتصير محببة ومرادة ، وهذا بخلافه في باب المحرّمات فإنّ المطلوب هو الترك والعدم والترك لا يتوقّف على ترك جميع المقدّمات بل يكفي ترك مقدّمة واحدة وإن وجد الباقي فإنه وإن تحقق باقي المقدّمات فإنه بتحققه لا يتحقق الحرام والمبغوض.

وعلى هذا الأساس نقول:- لو كانت للشيء عشر مقدمات للحرام فالتسعة الأولى منها بناءً على ما ذكرنا ليست مبغوضة ولا محرمة على مستوى الجعل ، وأما العاشرة فهل هي كذلك أم أنها مبغوضة ؟ والجواب:- إذا كان تحققها لا ينفك عن تحقق الحرام فقد ذكرنا قبلاً أن هذا من النحو الأوّل وأنها مبغوضة ومحرّمة أيضاً بناءً على ثبوت الجعل الشرعي بالحرمة.

وأما إذا كانت كأخواتها - يعني كانت ليست من قبيل إذا تحققت فسوف يتحقق الحرام حتماً وذلك عبارة عن الارادة والاختيار فإنّ المقدّمة العاشرة هي عبارة عن الارادة والاختيار فحينئذٍ هذا الانسان باختياره يريد أن يفعل الحرام ويريد أن لا يفعله – وهي من قبيل الارادة ، فهل تكون محرّمة أو لا ؟

ذكر الشيخ الخراساني(قد) في الكفاية[1] :- أنها لا تكون محرّمة ، فلا التعسة محرمة ولا العاشرة محرمة ، فالتسعة ليست محرمة لما ذكرناه من أن تحققها لا يلازم تحقق الحرام ، وأما العاشرة فقال حيث إنّها اختيار - أي إرادة - وهي ليست اختيارية فالارادة بها اختيارية الأشياء أمّا هي فليست اختيارية ، ومادامت ليست اختيارية فكيف يتعلّق بها التكليف بالحرمة فإنه يلزم في متعلّق التكليف القدرة وهذه ليست اختيارية ، أما لماذا هي ليست اختيارية ؟ قد ذكرنا سابقاًً من أن الأشياء تكون اختيارية من خلال سبق الارادة فلو كانت الارادة اختيارية أيضاً يلزم أن تكون مسبوقة بإرادة قبلها وتلك الارادة القبلية لابد وأن تكون اختيارية أيضاً لأنّه لا فرق بين إرادة وإرادة فإذا كانت اختيارية فلابد وأن تكون مسبوقة بإرادة فيلزم التسلسل ، ولعل صاحب الكفاية(قده) ذكر هذا المطلب في أكثر من موردٍ في الكفاية.

ولكن يرد ما أشرنا إليه في محاضرات سابقة:- من أنا نسلّم أن اخيارية الأشياء بالارادة لأنّ هذه قضية وجدانية لا تحتاج إلى دليل فأنا مختار في شربي لماء وفي حركتي وغير ذلك لأنه توجد عندي إرادة فهذه الاعمال مسبوقة بالارادة فأستطيع أن أعمل إرادتي بهذا الشكل أو ذاك فكونها مسبوقة بالارادة هي السبب في ذلك وهذا شيء وجداني وهو مسلّم ولا يحتاج إلى دليل ، أمّا كلامهم الثاني وهو أنّ الارادة إذا كانت اختيارية يلزم أن تكون مبوقة بإرادة فلا نسلّمه إذ يمكن ان نقول إن الارادة هي اختيارية بذاتها فإن الله عزّ وجل أعطى الارادة إلى الانسان بشكل يمكنه ان يعملها بهذا الشكل أو ذاك.

وإن قلت:- ما هو الدليل على ذلك ؟

قلت:- إن هذا ثابت بالوجدان ، فنحن نشعر بالوجدان أننا نسنطيع أن نعمل إراتنا بهذا الشكل أو بذاك ، وهذا شيء وجداني ، فإذن فلنقل الارادة هي اختيارية بنفسها فلا يلزم ما ذكره.

مضافاً إلى انه إذا لم تكن الارادة اختيارية يلزم من ذلك تعطيل الأحكام ولا عقوبة ولا ثواب ولا جنة ولا نار لأنّ التكليف بم يتعلّق لو قيل اقيموا الصلاة أوكتب عليكم الصيام وغير ذلك ؟ فهذه تكاليف متعلّقة فيمكن أن نقول لا توجد عندنا إرادة للصلاة لأنّ الارادة ليست اختيارية على قول الفلاسفة فلا توجد عندي إرادة ، فالصلاة ليست اختيارية فما معنى التكليف بها ، وإذا تركتها لا عقوبة ، ولا معنى للجنة والنار.

نعم قد يدافع شخص ويقول:- إنّ الصلاة اختيارية لأنها مسبوقة بالارادة.

فنجيبه:- بأنّ هذا تماشٍ مع الألفاظ والمصطلحات ، فصحيحٌ أن الفلاسفة يسمّون الصلاة اختيارية لأنها مسبوقة بالارادة ولكن نحن نقول لهم اطرحوا الالفاظ والقشور ولندخل في صميم المطلب ، فإذا فرض أن الارادة ليست اختيارية كيف تصير الصلاة اختيارية ؟!! إنه لا يمكن ذلك ، فما سميتموه من أن الصلاة اختيارية هو اصطلاحٌ باطل ، ولكن في الواقع هي ليست اختيارية ، ومادامت الارادة ليست اختيارية فالصلاة والصوم وغيرهما ليس اختيارياً لأنّ الارادة ليست اختيارية ومجرّد تسميتهم للفعل الصادر عن إرادة اختيارياً لا يغيّر من الواقع شيئاً.

وعلى هذا الأساس قال صاحب الكفاية(قده) إن هذه المقدمة العاشرة إذا كانت هي الارادة فلا تكون محرّمة لما أشار إليه من أن الارادة ليست اختيارية ، بينما على ما ذهبنا ليه يمكن ان تكون محرّمة بلا مانعٍ لأنها وإن كانت هي الارادة إلا أنها اختيارية بذاتها فلا مانع من تعلّق التكليف بها.

وعلى هذا الأساس لو فرض أنّه كان للشيء عشر مقدمات فمرة تكون هذه المقدّمات ترتّبية إلى أن تنتهي إلى الارادة وهذا ما تكلمنا عنه الآن وقلنا إنّ صاحب الكفاية(قده) يقول إن هذه المقدمة النهائية لا تكون محرّمة لأنها ليست اختيارية ، ونحن قلنا إنها قابلة لأن تكون محرّمة - بناء على الحرمة - ، أمّا إذا كانت المقدّمات عرضيّة ولا يوجد بينها ترتّب فهل هي محرّمة بأجمعها أو المحرم واحدة منها ؟ المناسب أن يكون المبغوض والمحرّم واحدة ولكن بنحو التخيير إذ المفروض أنّ ترك واحدة يتوقّف عليه ترك الحرام ولا يتوقف على ترك المجميع فلا موجب لأن يكون الجميع محرّم ، ولكنها واحدة بنحو التخيير.

بيد أن الشيخ العراق(قده)[2] :- ذكر أنّ المحرّم هو الحصّة التوام مع بقيّة المقدمات وبالتالي التوأم مع الواجب ، وقد قلنا هذا في الحقيقة هو عبارة عن المقدّمة الموصلة ، وهذا المصطلح الذي ذكره هناك جاء وذكره هنا فقال إذا كانت المقدّمات عشرة مثلاً ففي مثل هذه الحالة المحرّم هو كلّ واحدة التي تكون توأماً مع بقية المقدمات وبالتالي تكون توأماً مع المحرّم ، وعلى هذا الأساس المقدمة الأولى العرضية - إن صح التعبير بالاولى لأنها عرضيات - تكون حراماً لأنها توأم مع غيرها من المقدّمات إذا اجتمعن جميعهن وأُتِيَ بالحرام ، فالاولى تكون حرام لأنها توأم مع البقية وبالتالي هي توأم مع الحرام ، والثانية أيضاً هي توأم مع الأولى ومع بقية المقدمات فتكون محرمة ، وهكذا الثالثة تكون محرّمة لأنها توأم مع الثنيتن السابقتين وبقية المقدّمات ... وهكذا ، فكل مقدّمة من هذه المقدمات بناء على رأي العراقي(قده) سوف تكون محرّمة لأنها حينما تجتمع فكل واحدة يصدق عليها أنها حصّة توأم ، فالجميع يصير محرّماً ، بينما على ما ذكرناه المحرّم هو واحدةٌ على التخيير.

أما ما هو مستنده ؟

قال:- إنّ المطلوب ليس هو الترك حتى تقول يكفي في ترك الشيء ترك واحدة من مقدماته ، وإنما الثابت هو بغض الفعل ، فوجود الفعل مبغوضٌ ، وعلى هذا الأساس نقول إن بغض الشيء يلازم بغض كلّ مقدمة تؤدي إليه ، والمقدمة التي تؤدي إليه هي التوأم مع غيرها ، فكل مقدّمة توام مع الغير سوف تكون مبغوضة ومحرّمة.