37/04/16


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة / شرائط جريان الأصول العملية


كان الكلام في الأقوال الثلاثة في المسألة، وبالتحديد في ما ذهب إليه المحقق النائيني(قدّس سرّه) وكان حاصل ما ذهب إليه هو أنّ استحقاق العقاب لا يكون على ترك الواقع وحده ولا على ترك التعلم، وإنّما يكون على المجموع المركب منهما، بمعنى أنّه يكون على ترك التعلم المؤدي إلى ترك الواقع، فإذا ترك التعلم ولم يؤدِ ذلك إلى ترك الواقع، فلا عقاب.
الذي ذُكر في تقريرات بحث المحقق النائيني(قدّس سرّه) (فوائد الأصول) هو مطلب لا يستدل به إلاّ على نفي كون التعلّم واجب نفسي في مقابل كونه واجباً طريقياً، هو في هذا الصدد، يعني ما ذكره كدليل ـــــــ كما سنذكره ـــــــ ليس فيه دلالة إلاّ على نفي كونه متصّفاً بالوجوب النفسي، وإنّما وجوبه وجوب طريقي، أمّا مسألة أنّ استحقاق العقاب لا يكون على ترك الواقع ولا على ترك التعلم، وإنّما يكون على المجموع المركب منهما، فلم يستدل عليه بشكلٍ واضح إلا بما نقلناه عنه في الدرس السابق، في التقريرات اهتم بمسألة أنّ مناط وجوب التعلّم غير مناط وجوب حفظ القدرة أو تحصيل القدرة، قال: هما أمران مختلفان، مسألة وجوب حفظ القدرة لها مناط، ووجوب التعلّم لها مناط آخر، فلا ينبغي الخلط بينهما، وذكر أنّ في كلمات الشيخ (قدّس سرّه)[1] وقع نوع من الخلط بين المسألتين. في باب المقدمات المفوّتة ذكروا أنّه يجب على المكلف تحصيل القدرة على امتثال الواجب في ظرفه، فلو كان امتثال الواجب في ظرفه يتوقف على الإتيان بشيء قبل حلول وقته وكان ترك ذلك الشيء يؤدي إلى فوات الواجب في وقته؛ حينئذٍ هذه المقدمة هي من المقدمات الوجودية للواجب، بمعنى أنّ وجود الواجب في وقته يتوقف على الإتيان بها، وتُعدّ من المقدمات المفوّتة ويُحكم بوجوب الإتيان بها، باعتبار أنّها من المقدمات المفوّتة، باعتبار أن المكلف لا يتمكن من الإتيان بالواجب عند تفويت القدرة بترك المقدمة التي يتوقف عليها ذلك الواجب كما هو الحال في الغسل الليلي بالنسبة إلى الصوم، وكما هو الحال في السير مع القافلة التي تذهب إلى الحج بالنسبة إلى الحج الواجب في ذلك الزمان، كل هذه مقدمات مفوتة تكون واجبة قبل ظرف وزمان الواجب.
ويقول (قدّس سرّه): أنّ عصيان الواجب يتحقق بمجرّد ترك هذه المقدّمات؛ لأنّ المكلّف عندما يترك المقدمة يكون قد عصى الواجب وإن كان وقت الواجب لم يحل بعد، لكنهّ يتحقق عصيانه بترك تلك المقدمة. في باب المقدمات الوجودية المفوّتة ذكر أنّ وجوب هذه المقدمة يكون بخطاب مستقل لكنّه لا ينشأ من ملاك في هذه المقدمة؛ بل يعتبر من متممات الخطاب بالواجب نفسه، يقول هو بالضبط كما هو الأمر بالجزء والشرط، كما أنّه يعتبر من مقدمات الخطاب بالواجب كذلك الأمر بالمقدمة، فهو أيضاً يعتبر من متممات الخطاب بنفس الواجب، والمهم هو أنّ الخطاب بوجوب المقدمة المفوّتة ليس خطاباً طريقياً، وإنّما هو من متممات الخطاب بالواجب. وهذا بخلاف محل الكلام الذي هو وجوب التعلّم ويقول أنّه يختلف عن المقدمات المفوّتة، باعتبار أنّ التعلّم ليس من المقدّمات الوجودية للواجب ولا يتوقف فعل الواجب والإتيان به على تعلّم الحكم، لوضوح أنّ المكلّف بإمكانه أن يأتي بالواجب من دون أن يتعلّم الحكم، عن طريق الاحتياط؛ إذ بإمكانه الاحتياط ويأتي بالواجب من دون أن يتعلّم حكمه، فالعلم بالحكم ليس من المقدمات الوجودية التي توقف عليها فعل الواجب والإتيان به؛ بل لا يكون أصلاً دخيلاً في الملاك حتّى يكون دخيلاً في الملاك، العلم بالحكم ليس دخيلاً في الملاك، ملاك التكليف موجود في الفعل نفسه والعلم ليس دخيلاً في ملاكه، ومن هنا لا يكون وجوب التعلّم فيه شائبة النفسية والاستقلالية، وإنّما الغرض منه في الحقيقة هو مجرّد الوصول إلى الأحكام والعمل على طبقها. هذا هو الغرض من إيجاب التعلّم، وهذا هو الغرض أيضاً من إيجاب الاحتياط، فيكون وجوبه وجوباً طريقياً ولا يكون وجوباً نفسياً، وعلى هذا الأساس هو رتّب بأنّ وجوب التعلّم وجوب طريقي وأنّ بابه يختلف عن باب المقدّمات الوجودية المفوّتة التي بابها باب الوجوب الذي هو من متممات الخطاب بالواجب، فهو لا يكون واجباً على نحو الطريقية، يقول: الوجوب في المقدمات الوجودية ليس طريقياً، بينما وجوب التعلّم يكون وجوباً طريقياً؛ لأنّ العلم لا يتوقف عليه فعل الواجب كما لا يتوقف عليه الملاك، هو ليس دخيلاً في الملاك وليس دخيلاً في الواجب، وإنّما يجب لمحض التوصل إلى معرفة الحكم وإحراز امتثاله، وأمّا أصل الإتيان بالواجب، فلا يتوقف على العلم؛ لما قلناه من أنّ المكلف يتمكن من الإتيان بالواجب وفعله حتى مع جهله بحكمه عن طريق الاحتياط.
إذا تمّ هذا الكلام، فهو ينفي كون وجوب التعلّم وجوباً نفسياً في قِبال صاحب المدار والمحقق الأردبيلي (قدّس سرّهما) الذي يُنسب إليهما القول بأنّ وجوبه نفسياً، بينما هو (قدّس سرّه) فيقول أنّ وجوبه ليس وجوباً نفسياً وأنّ حاله يختلف عن حال وجوب المقدمات المفوّتة التي يمكن أن يكون وجوبها وجوباً نفسياً؛ لأنّها من متممات الخطاب بالواجب الأصلي النفسي، لكن باب وجوب التعلّم ليس من باب وجوب المقدمات الوجودية المفوّتة، وإنّما هو باب آخر مستقل؛ ولذا يقول ليس فيه شائبة الاستقلالية والنفسية.
وأمّا أنّ هذا البيان الذي ذكره (قدّس سرّه) يصلح لإثبات ما ادّعاه من أنّ العقاب إنّما هو على المجموع المركب، فهذا البيان لا يثبت ذلك، وإنّما ما استدل به على هذا المعنى هو أنّه يقول أنّ العقاب لا يُعقل أن يكون على الواقع؛ لأنّ الواقع مجهول، فالعقاب عليه يكون عقاباً بلا بيان وهو قبيح، ووجوب التعلّم والسؤال لا يُخرج الواقع عن مجهوليته؛ بل يبقى على مجهوليته بالرغم من وجوب التعلّم والسؤال، ومع بقائه على مجهوليته كيف يُعقل أن يُعاقب المكلف عليه، وهل هذا إلا عقاب بلا بيان ؟! وهو قبيح. إذن لا يمكن أن يكون العقاب على ترك الواقع.
ومن جهة أخرى: لا يمكن أن يكون العقاب على ترك التعلم؛ لأنّ خطابه خطاب طريقي، والوجوب الطريقي ليس في مخالفته عقاب ولا مؤاخذة بقطع النظر عن ذي الطريق، فبالنتيجة يقول: لابدّ أن يكون العقاب على مجموع الأمرين، بمعنى أنّ العقاب يكون على الترك الخاص، يعني على ترك التعلم المؤدي إلى ترك الواقع.
يمكن أن يُلاحظ على ما ذكره: أنّ مجرّد نفي احتمال كون وجوب التعلّم وجوباً نفسياً كما يُنسب إلى المحققين الأردبيلي وصاحب المدارك (قدّس سرّهما) لا يستلزم أن يكون الوجوب وجوباً طريقياً بالمعنى الذي ذكره؛ وذلك لوجود احتمالات أخرى مطروحة في كلماتهم فيمكن أن يكون وجوب التعلّم مبنياً على هذه الاحتمالات من دون أن يكون وجوباً نفسياً ولا طريقياً؛ لذا نحتاج إلى نفي الاحتمالات الأخرى المطروحة في التعلّم حتى نثبت أنّ الوجوب وجوب طريقي.
ومن جملة الاحتمالات التي ذُكرت في كلماتهم هو أن يكون وجوبه وجوباً تهيؤياً إذا قلنا أنّ الوجوب التهيؤي هو غير الوجوب النفسي الذي يُنسب إلى المحققين الأردبيلي وصاحب المدارك (قدّس سرّهما)، بعضهم يقول أنّ المحققين المذكورين لا يريدان بالوجوب النفسي الوجوب النفسي على غرار وجوب الصلاة ووجوب الصوم، وإنّما مقصودهما هو الوجوب التهيؤي، بمعنى أنّه التعلّم وجب لأجل تهيؤ المكلف بالفحص وتعلّم الأحكام لامتثال الواجبات والمحرّمات، يعني أنّ المكلّف إنّما وجب عليه الفحص وتعلم الأحكام حتى يتهيأ لامتثالها، إذا قلنا أنّ هذا الوجوب التهيؤي غير الوجوب النفسي الذي يُنسب إليهما، فهذا احتمال موجود، ومجرّد نفي الوجوب النفسي على غرار سائر الواجبات النفسية لا يثبت الوجوب الطريقي.
ومن جملة الاحتمالات التي ذكروها أيضاً هو أن يكون وجوب التعلّم وجوباً شرطياً، بمعنى أنّ الفحص والتعلّم هو شرط لحجّية أدلة الأحكام والأصول النافية، أي أنّ حجّية أدلة الأحكام النافية مشروطة بالفحص والتعلّم ولا يكون دليل الحكم النافي حجّة في إثبات الحكم النافي إلاّ بعد الفحص والسؤال، فيكون شرطاً في حجّية دليل الحكم النافي أو الأصل النافي، فيكون وجوبه وجوباً شرطياً.
ومن جملة الاحتمالات المذكورة في كلماتهم أيضاً هو أن يكون وجوبه وجوباً مقدّمياً، ومعنى الوجوب المقدّمي هو أن يكون وجود الواجب متوقفاً عليه نظير السفر مع القافلة بالنسبة إلى الحج، أو نظير الغسل قبل الفجر بالنسبة إلى الصوم. والمحقق النائيني(قدّس سرّه) نفى هذا الوجوب بالبيان السابق؛ لأنّه قال أنّ العلم ليس من المقدمات الوجودية لفعل الواجب وترك الحرام، وبإمكان المكلف أن يفعل الواجب ويترك الحرام عن طريق الاحتياط مع كونه جاهلاً بحكمه، فهذا الاحتمال منفي.
وهناك احتمال آخر: وهو احتمال أن يكون وجوب التعلّم والسؤال وجوباً إرشادياً محضاً إلى حكم العقل بلزوم الفحص للفرار عن العقاب المحتمل، إمّا لأجل العلم الإجمالي، أو باعتبار ما ذُكر من احتمال منجزية التكليف قبل الفحص بحكم العقل؛ فحينئذٍ يكون وجوب الفحص الوارد في الأدلة هو إرشاد إلى ما يحكم به العقل من أنّ احتمال التكليف يكون منجزاً، أمّا للعلم الإجمالي، أو لاستقلال العقل بأنّ احتمال التكليف ولو لم يكن مقروناً بالعلم الإجمالي، قبل الفحص يكون منجزاً، فيكون إرشاداً إلى حكم العقل ليس إلا.
على كل حال، ما لم ننفي هذه الاحتمالات لا يكفي في إثبات أنّ الوجوب وجوب طريقي محض بمجرّد نفي احتمال أنّ الوجوب وجوب نفسي. هذا من جهة.
من جهة أخرى: ما ذكره من منع كون الفحص والتعلّم من المقدمات الوجودية المفوّتة، إنّما يتم في الجملة، بمعنى أنّه ليس صحيحاً على إطلاقه؛ لأنّه في بعض الأحيان يكون ترك الفحص موجباً لغفلة المكلّف، إمّا عن حكم الفعل عندما يبتلي به، أو عن صورة الفعل عندما يبتلي به، ليس دائماً إذا ترك الفحص والتعلّم يكون ملتفتاً.
بعبارة أخرى: أنّ فرض الإتيان بالواجب من دون العلم بحكمه احتياطاً يتوقف على الالتفات، يعني لابدّ أن يلتفت إلى هذه المسألة حتى يحتاط فيها، فيأتي بالواجب بالرغم من كونه جاهلاً، فنقول أنّ فعل الواجب لا يتوقف على التعلم، والتعلم ليس من المقدّمات الوجودية لفعل الواجب، لكن هذا عندما يكون ملتفتاً، أمّا إذا فرضنا أنّه ترك التعلم وبقي ملتفتاً ومتوجّهاً إلى الحكم شاكاً به، عارفاً بصورته ومتوجهاً إليه؛ عندئذٍ يمكنه الاحتياط، فلا يتوقف الإتيان بالواجب على التعلّم، لكن قد نفترض في بعض الأحيان أنّ التارك للتعلم يغفل عن الفعل أصلاً، عندما يبتلي به هو غافل أصلاً، كأنّه يراه حاله حال سائر الأفعال الأخرى التي يمارسها، في هذه الحالة واضح أنّ فعل الواجب وترك الحرام يتوقف على التعلّم بحيث يكون التعلّم من المقدمات الوجودية لفعل الواجب في حالةٍ من هذا القبيل، في حالات الغفلة التي لا يمكن فيها تصوّر الاحتياط، بمعنى أنّ فعل الواجب يكون متوقفاً على التعلّم والمكلف لا يكون قادراً على فعل الواجب من دون أن يتعلّم، فإذا ترك التعلّم لا يكون قادراً على فعل الواجب، فيتحقق فيه ملاك المفوتية، فيكون حاله حال السير بالنسبة إلى الحج، وحال الغسل بالنسبة إلى الصوم، كما أنّ المكلّف لا يكون قادراً إذا ترك هذه المقدمات، هنا أيضاً لا يكون قادراً على فعل الواجب وترك الحرام إذا ترك التعلّم؛ لأنّه لا يتأتى منه الاحتياط عندما يكون غافلاً. نعم، إذا فرضنا أنّه ترك التعلم وبقي ملتفتاً إلى الحكم وصورة العمل في هذه الحالة يمكنه الاحتياط، فيقال لا يتوقف فعل الواجب على التعلم، فلا يكون من المقدمات الوجودية.
الأمر الثالث الذي يُلاحظ على كلامه هو: ما أشرنا إليه في الدرس السابق، وهو مسألة الاستدلال على مختاره من أنّ العقاب يكون على المجموع المركب من ترك الواقع وترك التعلم، حيث قلنا أنّه واجه مشكلة؛ لأنّ ظاهر كلامه هو كأنّه يجري البراءة العقلية قبل الفحص، يعني يقول في محل الكلام لا يمكن الالتزام بالعقاب على ترك الواقع؛ لأنّ الواقع مجهول، ووجوب الفحص لا يخرجه عن جهالته، فإذا كان الواقع مجهولاً، فالعقاب عليه يكون عقاباً بلا بيان وهو قبيح. ظاهره هو جريان قادة قبح العقاب بلا بيان(البراءة العقلية) قبل الفحص، والقاعدة إنّما تجري قبل الفحص إذا تم موضوعها الذي هو عدم البيان، فلابدّ أن نلتزم بأنّ الواقع لم يتم عليه البيان حتى نجري القاعدة ونقول يقبح العقاب على ترك الواقع؛ لأنّه لم يتم عليه البيان. الملاحظة تقول: كيف نلائم بين هذا وبين ما تقدّم ومسلّم حتى عنده (قدّس سرّه)، من أنّ العلم الإجمالي هو بيان على الواقع ووصول إلى الواقع، لكن إجمالاً، فتم عليه البيان، ومن جهة أخرى حكم العقل الذي أشرنا إليه بأنّ احتمال التكليف قبل الفحص يكون منجزاً، فينجّز الواقع، وهذا نوع من البيان ترتفع معه القاعدة، فحتى لو فرضنا أنّ الواقع لم يصل إلى المكلّف وجداناً ولا تعبّداً، لكن على مستوى التنجيز وصل إليه؛ لأنّ العقل يحكم بمنجّزية الواقع ووجوب الاحتياط؛ إذ أنّ وجوب الاحتياط ينجز الواقع، بمعنى أنّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان كما يرتفع موضوعها بالعلم بالواقع وجداناً، أو تعبداً، كذلك يرتفع موضوعها فيما إذا علم بأنّ الواقع تنجّز عليه؛ لأنّ المراد من عدم البيان الذي هو موضوع القاعدة هو الأعم من عدم البيان على التكليف، أو عدم البيان على منجّزية ذلك التكليف في حق المكلف، البيان على التكليف يرفع موضوع القاعدة، والبيان على تنجيز التكليف وإن بقي التكليف مجهولاً أيضاً يرفع موضوع القاعدة.
إذاً: في محل الكلام لكي نقول بأنّ قاعدة قبح العقاب بلا بيان تجري قبل الفحص لابدّ أن ننكر كلا الأمرين، ننكر أن يكون العلم الإجمالي بياناً ومنجزاً للتكليف، وننكر أن يكون احتمال التكليف قبل الفحص بنظر العقل منجزاً. فهل المحقق النائيني(قدّس سرّه) ينكر هذين الأمرين ويقول بجريان القاعدة وأنّ العقاب على ترك الواقع هو عقاب بلا بيان ؟
لكن الظاهر أنّ مراد المحقق النائيني(قدّس سرّه) هو أنّ الواقع المجهول لا يخرج عن كونه مجهولاً بوجوب التعلم، فالواقع يبقى مجهولاً بالرغم من وجوب التعلّم؛ لأنّ وجوب التعلّم لا يُخرج الواقع عن كونه مجهولاً، وفرّق بين خطاب وجوب التعلّم ووجوب الاحتياط واعتبرها خطابات طريقية وبين الخطابات الطريقية المجعولة في باب الإمارات، يقول: هناك الخطاب الطريقي يجعل الواقع معلوماً ومبيناً، لكن بالتعبّد؛ لأنّ المجعول في باب الإمارات هو نفس المحرزية، الذي يسميه(الوسطية في الإثبات)، فعندما تقوم الإمارة ويجعل الشارع لها الحجّية، فالمكلّف أحرز الواقع بواسطة جعل الحجّية، فيصير الواقع محرزاً ويخرج عن كونه غير معلوم؛ حينئذٍ يكون العقاب عليه عقاباً مع البيان، لكن في محل كلامنا الأمر يختلف، وجوب التعلّم ووجوب الاحتياط هو خالٍ من هذا الشيء وليس فيه صفة الإحراز، يوجب الاحتياط ويوجب التعلم ولا يقول له أنّ هذا يحرز لك الواقع؛ ولذا يبقى الواقع على مجهوليته، ولا يُصير معلوماً؛ بل يبقى على مجهوليته؛ لذا يكون العقاب عليه عقاباً بلا بيان ويكون قبيحاً. هذا ما يُفهم من كلامه، وتمامية هذا المطلب تتوقف على أن نفرّق في انتفاء موضوع القاعدة بين قيام بيان على التكليف وبين قيام بيان على تنجّز التكليف على المكلف، فهنا توجد مراتب، فتارةً المكلّف يعلم بالتكليف فيرتفع موضوع القاعدة وجداناً، وتارةً يعلم به تعبّداً وأيضاً يرتفع موضوع القاعدة كما فرضه هو في باب الإمارات، وهناك مرحلة أخرى وهي أن لا يتم إحراز الواقع لا وجداناً ولا تعبّداً؛ بل يبقى الواقع مجهولاً، لكن هناك دليل ينجّز الواقع على المكلّف يقول له يجب عليك الاحتياط، فهل يرتفع موضوع القاعدة بمثل هذا الدليل أو لا ؟ هذا الكلام الذي نقلناه عنه ـــــــ إذا كان ما فهمناه من كلامه تاماً ــــــ كأنه ينكر ارتفاع موضوع القاعدة بقيام دليل على تنجّز التكليف على المكلف، يقول في وجوب الاحتياط يبقى الواقع مجهول. ونحن في الجواب نقول: حتى إذا بقي مجهولاً، لكن الدليل نجّز هذا الواقع على المكلّف؛ وحينئذٍ لا تجري قاعدة قبح العقاب بلا بيان. بينما هو يقول بجريان القاعدة لأنّ التكليف بقي مجهولاً بالرغم من قيام دليل على وجوب التعلّم أو على وجوب الاحتياط.