37/05/01


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة / شرائط جريان الأصول العملية


الجواب الرابع: ما نُقل في(مصباح الأصول) عن السيد الخوئي(قدّس سرّه)، حيث نُقل أنّه يقول أنّ الترتب الذي طُرح كجواب عن الوجه الثاني ينافي الروايات الكثيرة الدالة على أنّ الواجب على المكلّف في كل يومٍ وليلةٍ خمس صلوات؛ لأنّه يلزم على القول بالترتب كون الواجب على المسافر الجاهل بوجوب القصر إذا صلّى تماماً ثمان صلوات، إذا فرضنا أنّه صلّى الظهر تماماً والعصر تماماً والعشاء تماماً جاهلاً بوجوب القصر يلزم من ذلك أن يكون الواجب عليه ثمان صلوات؛ لأنّه إذا صلّى الظهر تماماً جاهلاً بوجوب القصر، فالواجب عليه هو صلاة القصر؛ لأنّه مسافر، وأيضاً وجب عليه صلاة الظهر تماماً......وهكذا بالنسبة إلى العصر وبالنسبة إلى صلاة العشاء، فيكون الواجب عليه أكثر من خمس صلوات، وهذا خلاف الروايات كثيرة.[1]
هذا الكلام يُنقض عليه بما تقدم في الجواب الثالث. الذي يترك الصلاة الاختيارية في أول الوقت، ثمّ يطرأ عليه ظرف خاص يضطر فيه إلى أن يكون تكليفه هو الصلاة الاضطرارية لا الاختيارية كما في مثال الماء، اضطر بعد ذلك إلى عدم استعمال الطهارة المائية، فيكون تكليفه هو الصلاة مع الطهارة الترابية، هنا أيضاً يلزم أن يكون الواجب عليه أكثر من خمس صلوات؛ لأنّه وجبت عليه الصلاة الاختيارية، ثمّ وجبت عليه الصلاة الاضطرارية، فصار الواجب عليه في اليوم واللّيلة أكثر من خمس صلوات. هنا أيضاً لابدّ أن لا نلتزم بهذا الشي، فإذا ترك الصلاة الاختيارية واضطر وكُلّف بالصلاة الاضطرارية نفس الشيء يقال من أنّ الواجب عليه في اليوم واللّيلة أكثر من خمس صلوات، فهل يقال أنّ هذا لا يمكن الالتزام به وأنّه باطل ؟! بالتأكيد ليس باطل.
ما نحن فيه من هذا القبيل، فينبغي الالتزام به، وهناك حل لهذا الإشكال، وهو أنّ الروايات الكثيرة المشار إليها التي تقول لا يجب في اليوم والليلة أكثر من خمس صلوات ناظر إلى الصلوات الأصل(الصبح، الظهر، العصر، المغرب، والعشاء) أمّا الصلوات التي تتفرع عنها وتكون بدائل لصلاة الظهر الاختيارية، فالروايات ليست ناظرة إليها ولا تريد أن تنفي وجوب الصلاة الاضطرارية عند عدم التمكن من الإتيان بالصلاة الاختيارية؛ لأن ّصلاة الظهر بطهارة ترابية اضطراراً ليست هي شيء آخر في عرض الخمس صلوات الواجبة اساساً، وإنما هي بطولها؛ لأنه لم يتمكن من الإتيان بصلاة الظهر بالطهارة المائية وجبت عليه صلاة الظهر مع الطهارة الترابية؛ لأنّه لم يأتِ بصلاة الظهر قصراً لأنه مسافر، جهلاً بالحكم وجبت عليه صلاة الظهر تماماً، لكنّها ليست في عرض الأقسام الخمسة التي دلّت الروايات على أنّه لا يجب على المكلف في اليوم واللّيلة غيرها، فهذه الروايات ليست ناظرة إلى هذه الأشياء ولا تنفي وجوبها وتبقى محكّمة حتى في مثل المقام، فلا منافاة بين الالتزام بوجوب صلاة التمام على المسافر الجاهل بوجوب القصر وبين هذه الروايات. إلى هنا يتم الكلام عن الوجه الثاني لحل الإشكال.
الوجه الثالث: ما ذكره المحقق الخراساني(قدّس سرّه) في الكفاية،[2] حيث فرض لحل الإشكال أن يكون ما يجيء به المكلف الجاهل بالحكم مشتملاً على مصلحة ملزمة، يقول أنّ صلاة التمام التي جاء بها المسافر الجاهل بوجوب القصر تشتمل على مصلحة ملزمة وملاك ملزم، كما أنّ الواجب الواقعي الذي هو صلاة القصر أيضاً يشتمل على مصلحة ملزمة وملاك تام، الفرق هو أنّ الواجب الواقعي يشترك مع التمام في أنّ كلاً منهما يشتمل على مصلحة تامّة ملزمة، لكن هناك زيادة في المصلحة موجودة صلاة القصر، وهذه الزيادة التي في صلاة القصر لا يمكن تداركها إذا استوفى المكلف المصلحة القائمة بصلاة التمام؛ وذلك للتضاد بين المصلحتين، بمعنى أنّ استيفاء أحدهما يمنع من استيفاء المصلحة الأخرى، فإذا استوفى المكلف المصلحة القائمة في التمام لا يمكنه أن يستوفي المصلحة الموجودة في صلاة القصر والمختصّة بها، لوجود تضاد بين المصلحتين والملاكين، يمكن فرض التضاد بين الملاكين بحيث أنّ المكلّف إذا استوفى المصلحة الأقل أهمية؛ حينئذٍ يتعذر عليه استيفاء المصلحة الأهم كما يُمثل لذلك بالجائع، المصلحة هي في أن يأكل ويشبع، وهي تتحقق بطعامٍ طيّبٍ لذيذٍ وفيه مصلحة كبيرة، ويتحقق بأن يأكل طعاماً عادياً يحقق مصلحة الشبع ويسدّ الجوع، لكن المصلحة الموجودة فيه أقل من المصلحة الموجودة في ذاك الطعام اللذيذ، والمكلّف إذا أكل هذا الطعام فقد استوفى المصلحة؛ ولا يمكنه حينئذٍ أن يستوفي المصلحة الموجودة في الطعام اللّذيذ، فيوجد تضاد بين المصلحتين، يقول: في المقام نفترض تضاد بين المصلحتين، من استوفى مصلحة التمام لا يمكنه أن يستوفي المصلحة الموجودة في القصر.
بناءً على هذا؛ حينئذٍ نحكم بصحة العمل الذي جاء به المسافر الجاهل بوجوب القصر باعتبار اشتمال ما جاء به على مصلحة ملزمة وملاك ملزم، فيُحكم بصحة العمل، والمفروض أنه لا يمكنه استيفاء المصلحة الموجودة في القصر للتضاد بينهما، فمن جهة حكمنا بصحة صلاته وأيضاً نحكم باستحقاقه للعقاب لتفويته المصلحة الزائدة الأهم التي فوّتها نتيجة تركه للتعلم. ولا منافاة بين الحكم بصحة ما جاء به وبين استحقاقه العقاب، فتُحل المشكلة بهذا التصوير.
الذي يظهر من كلماتهم أنّ التمام وهو الفعل الذي جاء به المكلف المسافر الجاهل بوجوب القصر، مأمور به تعلّق به الأمر الشرعي؛ لأنّ الروايات حكمت بصحته وعدم لزوم إعادته، الحكم بالصحة عندهم يلازم تعلق الأمر به إذا كان عبادة، ومن هنا استفادوا من حكم الروايات بصحة ما جاء به وهو التمام في المثال أنّه مأمور به؛ ولذا تقدّم سابقاً في الوجه الأول أنّ الشيخ الأنصاري(قدّس سرّه) استفاد من الروايات التي تحكم بالصحة أنّ ما جاء به هذا المكلف الجاهل يكون مأموراً به، وأجاب عن الوجه الأول بأنّ كون الفعل الذي يأتي به الجاهل غير مأمور به، وإنّما هو يكون مسقطاً للواجب هو خلاف الظاهر؛ لأنّ الروايات تحكم بصحته، والحكم بالصحة في العبادات يلازم تعلّق الأمر به. إذاً: لا يصح أن نقول أنّه ليس مأموراً به، وإنّما هو يسقط الواجب. يُفهم من هذا أنّهم يرون أنّ الحكم بالصحة في العبادات يلازم تعلّق الأمر بالعبادة؛ لأنّ عبادية العبادة وصحتها تتوقف على تعلّق الأمر بها، ومن هنا ينشأ الإشكال؛ لأنّ التمام إذا كان مأموراً به واقعاً في حالة الجهل؛ فحينئذٍ لماذا استحقاق العقاب ؟ تقدّم سابقاً أنّ المكلف يستحق العقاب على ترك التعلم في حالة مخالفة الواقع، أمّا في حالة موافقة الواقع، فلا يستحق العقاب على الواقع، قد يستحق العقاب على التجرّي، لكن لا يستحق العقاب على الواقع، المفروض أنّ التمام الذي جاء به مأمور به واقعاً في حالة الجهل بوجوب القصر. إذاً: تركه للتعلم لم يؤدِ به إلى مخالفة الواقع، فلماذا يستحق العقاب ؟
ما نريد قوله هو: أنّ الإشكال في المقام ينشأ من الجمع بين الحكم بالصحة واستحقاق العقاب، وهذا الإشكال يبتني على دعوى الملازمة بين الحكم بالصحة وبين تعلّق الأمر بالفعل إذا كان عبادة. أمّا إذا أنكرنا الملازمة وقلنا بإمكان الحكم بصحة العبادة من دون افتراض تعلق الأمر بها؛ فحينئذٍ يرتفع الإشكال. يظهر من المحقق الخراساني(قدّس سرّه) في هذا الوجه الذي طرحه أنّه يحاول ويريد إنكار هذه الملازمة. صحيح أنّ صحة العبادة تنشأ من تعلق الأمر بها، لكن ليس هو السبب المنحصر والوحيد للحكم بصحة العبادة؛ بل يمكن أن نحكم بصحة العبادة من منشأ آخر ليس من جهة تعلق الأمر بها، وإنما باعتبار اشتمالها على المصلحة الملزمة والملاك الملزم وإن لم يؤمر بها، فهي تصح لهذا الشيء، فإذا جاء بهذا العمل يحكم بصحته، ويستحق المكلّف العقاب لأنّ تركه التعلّم أدّى به إلى مخالفة الواجب الواقعي المأمور به الذي هو القصر؛ وحينئذٍ لا يمكن لنا أن نسأل لماذا يستحق العقاب، فأنّه يستحق العقاب لأنه خالف الواقع، بينما إذا قلنا أنّ التمام مأمور به شرعاً وواقعاً؛ فحينئذٍ لا يمكن لنا أن نقول أنّه خالف الواقع. ومن هنا يظهر أنّه (قدّس سرّه) يريد أن يقول أنّ كلاً من القصر والتمام في حال الجهل يشتمل على مصلحة تامة ملزمة، لكن مصلحة القصر فيها زيادة في المصلحة، وحيث أنّ المصلحتين متضادتين بمعنى أنّ استيفاء أحدهما يمنع من استيفاء الأخرى؛ حينئذٍ الشارع في هكذا حالة يأمر بذي المصلحة الأهم وهو القصر ولا يأمر بالتمام؛ لأنّه إذا أمر بالقصر فالمكلف حينئذٍ لا يتمكن أن يجمع بين الفعلين ويدرك كلتا المصلحتين؛ وحينئذٍ إذا جاء المكلف بالتمام في حال الجهل بوجوب القصر يأتي الكلام السابق من الحكم بصحة صلاته لاشتمالها على المصلحة الملزمة والملاك الملزم وهذا يكفي في صحة العبادة بلا فرض تعلق الأمر به كما هو يرى، ولا يجب عليه الإتيان بالقصر إذا جاء بالتمام؛ لأنّه لا يتمكن من استيفاء مصلحة القصر للتضاد بين المصلحتين كما فرض؛ ولذا لا يجب عليه الإتيان بالقصر بعد ذلك حتى إذا ارتفع جهله في داخل الوقت؛ وحينئذٍ المفروض أنه تارك للتعلم عن تقصير، فيستحق العقاب على ترك التعلم؛ لأنه أدّى به إلى مخالفة الواقع.
هذا في الحقيقة يرجع إلى أنّ المصلحة الموجودة في القصر كأنّها تنحل إلى شيئين، إلى أصل المصلحة وزيادة، أصل المصلحة يشترك فيها القصر مع التمام، أمّا الزيادة فتختص بالقصر، معنى اشتراك القصر والتمام في أصل المصلحة هو أنّ المصلحة في الحقيقة موجودة في الجامع بين القصر والتمام، لكن الزيادة ليست موجودة في الجامع، وإنما هي مختصة بالقصر، وهذا المقدار الزائد يكون بدرجة الإلزام؛ ولذا قلنا أنّ الشارع أمر بالقصر.
واجه هذا الوجه اعتراضات كثيرة :
الاعتراض الأول: وقد أشار إليه بنفسه وأجاب عنه، وحاصله: بناءً على ما ذكرته يلزم أن نلتزم بصحة الصلاة تماماً حتى مع العلم بوجوب القصر ولا نخص الحكم بصحة الصلاة تماماً بحالة الجهل بوجوب القصر؛ لأنّ المفروض أنّ التمام يشتمل على مصلحة ملزمة وملاك ملزم، فإذا جاء به المكلف، سواء جاء به في حالة الجهل أو في حالة العلم؛ حينئذٍ لابدّ أن يحكم بصحته.[3]
وأجاب هو (قدّس سرّه) عن هذا الاعتراض: وهو أنّ أصل المصلحة القائمة في الجامع بين القصر والتمام ليست قائمة في الجامع بين القصر والتمام مطلقاً، وإنّما المصلحة القائمة بالجامع بين القصر والتمام المقيّد بالجهل بوجوب القصر، فالتمام في حالة العلم بوجوب القصر لا مصلحة فيه حتى يحكم بصحته، فالاعتراض ناشئ من تخيّل أن أصل المصلحة قائم بالجامع بين القصر والتمام مطلقاً.
الاعتراض الثاني: هو ما ذكره السيد الخوئي (قدّس سرّه) [4]من أنّه لا يصح فرض التضاد بين المصلحتين والملاكين، أصلاً التضاد بين المصالح والملاكات هو شيء خيالي، الشيء الذي نتعقّله ونتصوره هو التضاد بين ما يحصّل الملاك وما يحصّل المصالح، أمّا التضاد بين نفس المصالح ونفس المبادئ فهو شيء غير متصوّر. أصل الوجه الذي ذكره قائم على افتراض وجود تضاد بين المصلحتين وقال بعدم الأمر بالتمام، فليس هناك تضاد بين الأمر بالتمام وبين الأمر بالقصر، وإنما فرض التضاد بين المصلحة الموجودة في التمام وبين المصلحة الموجودة في القصر. يقول: أنّ المعقول والمتصوّر هو التضاد بين هذا الواجب وذاك الذي هو يحصّل المصلحة.
يمكن الجواب عن هذا الاعتراض بالمثال الذي ذكرناه، القضية ليست خيالية؛ بل لها واقع خارجي في مثال الجائع الذي هناك طعامان يسدّان جوعه ويحققان له مصلحة الشبع، طعام واجد لمصلحة عالية وطعام عادي لكن يحقق المصلحة، ومن الواضح أنّه إذا استوفى أحدى المصلحتين لا يمكنه استيفاء المصلحة الأخرى. مثال آخر: إذا كان لديه أرض زراعية ودار الأمر بين أن يسقيها بماءٍ فيه شيء من الملوحة ولكنه يحقق المصلحة، وهناك ماء آخر ليس فيه ملوحة أصلاً ويحقق المصلحة بنحوٍ تام وكامل، في هذه الحالة استيفاء هذه المصلحة يمنعه من استيفاء المصلحة الأخرى، هناك تضاد بين نفس المصلحتين، يعني أنّ المصلحة المترتبة على سقي الأرض بالماء الذي فيه ملوحة، والمصلحة التي تترتب على سقي الأرض بالماء الحلو الصافي، إذا استوفى أحداهما؛ فحينئذٍ لا يمكنه استيفاء الأخرى، ليس شيئاً عجيباً وغريباً أن نفترض ذلك، أصل الافتراض ليس فيه مشكلة، نحن لا نريد أن نبحث بحثاً إثباتياً وما هو الدليل على أنّ المصلحة تكون هكذا، وأنّ هناك تضاداً بين المصلحتين، وإذا أدرك هذه المصلحة لا يتمكن من استيفاء المصلحة الأخرى، وإنّما بحثنا ثبوتي، هناك إشكال ثبوتي ونريد أن نجيب عنه بجوابٍ أيضاً ثبوتي، فنفترض شيئاً ونقول أنّ هذا يحل الإشكال، وليس الكلام إثباتي، فيمكن فرض هذا ولا مجال لإنكاره بعد وقوعه في الأمور الخارجية المتعارفة، فأنّه يمكن فرض أن يكون هناك تضاد بين المصلحتين.