37/05/19


تحمیل
الموضوع: الأصول العمليّة / شرائط جريان الأصول العملية


كان الكلام في الرواية الثالثة من الطائفة الأولى وهي ما رواه الشيخ الصدوق في الفقيه. ذكرنا في الدرس السابق أنّ الرواية غير تامة سنداً من جهة الراوي المباشر الذي هو الحسن بن زياد الصيقل؛ إذ لم تثبت وثاقته، وأمّا من غير جهته هل الطريق تام أو لا ؟ قيل أنّ الطريق أيضاً غير تام من جهة أنّ طريق الشيخ الصدوق(قدّس سرّه) إلى الحسن الصيقل كما في المشيخة فيه محمد بن موسى المتوكّل وعلي بن الحسين السعد آبادي، وكلٌ منهما لم يُنص على وثاقته، لكننا قلنا أنّه يمكن إثبات وثاقة الأوّل(محمد بن موسى المتوكل) بما ذكره السيد ابن طاووس(قدّس سرّه) في فلاح السائل من دعوى الاتفاق على وثاقته،[1] وقلنا بأنّ هذا يمكن الاعتماد عليه لإثبات وثاقة هذا الرجل. ويؤيّد ذلك إكثار الشيخ الصدوق(قدّس سرّه) الرواية عنه مترحماً مترضّياً، خصوصاً بناءً على أنّ الترضّي يمكن أن يُستفاد منه الاعتماد والتوثيق بناءً على أنّ الترضّي ليس هو الدعاء الصرف، وإنّما هو اصطلاح لا يقال إلا في حق الأكابر من العلماء ومن هم مورد الاعتماد، والشيخ الصدوق(قدّس سرّه) أكثر الرواية عنه، فقط في المشيخة كما يقول السيد الخوئي(قدّس سرّه) ذكره في طرقه إلى كتب الأصحاب في ثمانٍ وأربعين مورداً، وهذا يكفي لإثبات وثاقته.
قد يقال: أنّ توثيق السيدابن طاووس(قدّس سرّه) يدخل توثيقات المتأخرين، وتوثيقات المتأخرين ليست معتبرة؛ لأنها حدسية وليست حسّية. ولكنّ هذا محل كلام وليس أمراً مسلّماً؛ بل يمكن المناقشة فيه، باعتبار أنّ السيد ابن طاووس(قدّس سرّه) الذي كان يملك مكتبة من أضخم المكاتب في وقته ووصلت إليه كتب كثيرة كما يظهر من آثاره، هو يذكر أنّ فلان كتاب وصلني وفلان كتاب وصلني مما يظهر منه أنّه وصلته كتب كثيرة، فيمكن افتراض أنه اعتمد على هذه الكتب الكثيرة التي وصلته، أو كان هناك وضوح في الرؤيا بالنسبة إلى وثاقة محمد بن موسى المتوكل، خصوصاً إذا التفتنا إلى أنّ محمد بن موسى المتوكل لم يُذكر في كتب الأصحاب، حيث لم يذكره الشيخ النجاشي ولا الشيخ الطوسي(قدّس سرّهما)، فلا نتعجّب عندما يدّعي السيد ابن طاووس(قدّس سرّه) الإجماع والاتفاق على وثاقته، هذا ليس له معارض أصلاً، والعلامّة(قدّس سرّه) وثّقه صريحاً، وكذلك ابن داوود(قدّس سرّه) وثقه صريحاً؛ حينئذٍ يكون هذا هو الدليل على وثاقته مضافاً إلى الترّضي؛ لأننا نرى أنّه يمكن الاستناد إلى الترضي لإثبات الوثاقة.
وأمّا بالنسبة إلى علي بن الحسين السعد آبادي، فيمكن إثبات وثاقته برواية ابن قولويه(قدّس سرّه) في كامل الزيارات عنه مباشرة بناءً على أنّ مشايخ ابن قولويه ثقات بناءً على المقدّمة التي ذكرها في مقدمة كتابه؛ إذ يستفاد منها توثيق المشايخ المباشرين على الأقل، بناءً على هذا الرأي؛ حينئذٍ يمكن إثبات وثاقة هذا الرجل باعتبار أنّ ابن قولويه(قدّس سرّه) روى عنه في كامل الزيارات مباشرة.
الأمر الآخر أنّهم ذكروا من جملة الأمور التي يمكن الاستناد إليها لإثبات وثاقة هذا الرجل أنّ الشيخ أبا غالب الزراري صاحب الرسالة المعروفة عبّر عنه في كتابه(حدّثني مؤدبي علي بن الحسين السعد آبادي).[2] ويُستفاد من التعبير بــ(مؤدّبي) نوعاً من المدح، والظاهر أنّ المقصود بمؤدبي ما يساوق التعليم والتربية؛ بل لعلّه أكثر من مجرّد التعليم، ومنه ما يُنسب إلى الرسول(صلّى الله عليه وآله وسلّم) أنه قال:(أدّبني ربي فأحسن تأديبي). أو حينما يقال في موارد كثيرة أنّ هذا مما أدّب الله به نبيه، فليس المقصود من مؤدبي في المقام معلم الأدب كما يُنقل عن السيد البروجردي(قدّس سرّه) أنه استفاد من هذه العبارة أنّ علي بن الحسين السعد آبادي هو من أهل الأدب، بينما هذا غير تام، حتى في اللّغة يذكرون معنى يحوم حول الشيء الذي ذكرناه لا بمعنى معلم الأدب، في لسان العرب ورد: الأدب الذي يتأدب به الأديب من الناس، سُمّي أدباً؛ لأنه يأدب الناس إلى المحامد وينهاهم عن المقابح، وأصل الأدب الدعاء، يعني يدعو الناس إلى المحامد، فالمؤدب هو الذي يدعو الناس إلى المحامد وينهاهم عن المقابح، ومن هنا يظهر بأنّ هذا الكلام المنسوب إلى السيد البروجردي(قدّس سرّه) ليس تامّاً.
قد يقال: لا يمكن الاعتماد على قول أبي غالب الزراري عن هذا الشخص بأنّه مؤدّبي؛ لأنّ أبا غالب الزراري ذكر شيئاً من هذا القبيل في حق شخصٍ ضعيف نص النجاشي على ضعفه وتعجّب من أبي غالب أنّه كيف يروي عنه وهو(جعفر بن محمد بن مالك الفزاري) وقد روى عنه كثيراً في رسالته المعروفة. [3]
ابو غالب الزراري صحيح ذكره كثيراً، لكنّه لم يعبّر عنه بأنّه مؤدبي، وإنما العبارة الموجودة في الرسالة هي، قال(وكان ـــــ جعفر بن محمد بن مالك الفزاري الذي ضعّفه النجاشي ـــــ كالذي ربّاني؛ لأنّ جدّي محمد بن سليمان حين أخرجني من الكتّاب جعلني في البزازين وكان جعفر بن محمد بن مالك بزازاً)[4] وهناك فرق بين أن يقول(مؤدبي) وبين أن يقول(كالذي ربّاني) ويذكر العلّة في ذلك، فلا يُذكر هذا كنقضٍ على ما ذكرناه. الظاهر من كلمة(مؤدبي) أنّ فيها نوع من الاعتماد والركون إلى هذا الشخص، وهذا يُضاف إلى ما ذكرناه بالنسبة إلى علي بن الحسين السعد آبادي. هذه هي الروايات الثلاث التي تدخل في الطائفة الأولى والتي تتحدث عن قصة سمُرة بن جندب مع الأنصاري.
روايات العامّة أيضاً تعرضت إلى هذه القصة، لكن الغريب في روايات العامّة أنّها لم تذكر العبارة التي يُراد الاستدلال بها وهي عبارة(لا ضرر ولا ضرار) ومن هنا ينبغي التفريق بين أصل قصة سمُرة بن جندب مع الأنصاري وبين هذه العبارة التي يُراد الاستدلال بها(لا ضرر ولا ضرار).
قد يقال: أنّ أصل قصة سمُرة بن جندب مع الأنصاري هي قصة مستفيضة؛ لأنّها رويت بطرقنا ورويت أيضاً بطرق العامّة، فقد تتحقق الاستفاضة في هذا، لكن ليس هناك ملازمة بين استفاضة القصة وبين استفاضة عبارة(لا ضرر ولا ضرار) التي يُراد الاستدلال بها في محل الكلام؛ لأننا عرفنا من خلال هذه الروايات أنّه لا روايات العامّة ولا روايات الخاصّة ذُكرت فيها هذه القصة، إلا في رواية واحدة أو روايتين من طرقنا الخاصة، وأحدى الروايتين غير تامّة سنداً. نعم، رواية واحدة تامّة سنداً ذُكرت فيها هذه الفقرة.
الطائفة الثانية: ما ورد في بعض أقضية رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) ورد هذا التعبير من قبيل ما ورد في الكافي، وفي الوسائل، نقله عن الكافي، في الكافي عن محمد بن يحيى، عن محمد بن الحسين، عن محمد بن عبد الله بن هلال، عن عقبة بن خالد، عن أبي عبد الله(عليه السلام) قال:
(قضى رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بين أهل المدينة في مشارب النخل أنّه لا يُمنع نقع الشيء، وقضى رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم) بين أهل البادية أنّه لا يُمنع فضل ماءٍ ليُمنع فضل كلأ، وقال لا ضرر ولا ضرار).[5]
نقع الشيء الموجود في نسخ الكافي باعتراف أكثر من واحد أنّ الموجود هو نقع الشيء، أو نفع الشيء، لكن الوافي عندما نقل هذه الرواية عن الكافي ذكر أنّه نقع البئر، ونقل صاحب الوافي نفسه عن أبن الأثير في نهايته أنّه نُهي عن أن يُمنع نقع البئر، أي فضل مائها؛ لأنّه يُنقع به العطش ويقال: شرب حتى نقع، أي حتى روى، فالنقع يُراد به ما يروي من العطش، وقيل ـــــ الكلام لا زال لأبن الأثير الذي ينقله صاحب الوافي ــــــ النقع: الماء الناقع، وهو المجتمِع، ومنه الحديث لا يُباع نقع البئر، وذكر أنّ الموجود في نسخ الكافي نقع الشيء، وهو تصحيف، وإنّما المقصود هو نقع البئر. لا يبعد صحة ما يقول، باعتبار أنّ المناسب هو نقع البئر.
الرواية الثانية: ما رواه في الكافي أيضاً بنفس السند السابق بلا أي تغيير، عن أبي عبد الله(عليه السلام)، قال:
(قضى رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) بالشُفعة بين الشركاء في الأرضين والمساكن وقال: لا ضرر ولا ضرار، وقال: إذا رُفت الأرف وحُدت الحدود، فلا شُفعة).[6] الأُرف، الحد الفاصل بين قطعتين من الأرض، أعلام توضع لكي تكون علامة على الفصل بين قطعتين من الأرض، فالمقصود هو إذا حُدت الحدود وعُلمت العلامات وصار تمايز، يعني ليس هناك شراكة على نحو الإشاعة، فلا شُفعة، إنما الشُفعة تكون عندما يكون الشريك يملك على نحو الإشاعة. هنا أيضاً ذُكر(لا ضرر ولا ضرار) في هذه الرواية.
كلامنا في المقام الأول نتحدّث عن السند. الحديث الأول تفرّد بنقله الشيخ الكليني(قدّس سرّه)، لكن الحديث الثاني رواه الشيخ الكليني ورواه الشيخ الصدوق(قدّس سرّهما) في الفقيه أيضاً بإسناده عن عقبة بن خالد،[7] ومنه يظهر أنّ عقبة بن خالد موجود في سند هاتين الروايتين بكل طرقها، الشيخ الطوسي(قدّس سرّه) أيضاً في التهذيب نقل هذه الرواية،[8] عن محمد بن يحيى إلى آخر سند الشيخ الكليني. والظاهر أنّ سند كلتا الروايتين بكل الطرق هو غير تام، باعتبار أنّ محمد بن عبد الله بن هلال وعقبة بن خالد الراوي المباشر عن الإمام(عليه السلام) لم تثبت وثاقتهما، وكل الوجوه التي قيلت لإثبات وثاقتهما غير تامة، وأهم هذه الوجوه بالنسبة إلى عقبة بن خالد هو أنّ هناك روايات يظهر منها مدحه، لكنّ المشكلة أنّ كل هذه الروايات واردة عن طريق نفس الراوي عقبة بن خالد، فلا يمكن الاستناد إليها لإثبات الحُسن، فضلاً عن الوثاقة وأمثالها.
ويُضاف إلى ذلك أنّ طريق الشيخ الصدوق(قدّس سرّه) إلى عقبة بن خالد مجهول؛ لأنّه لم يذكره في المشيخة، غير واضح أنّ طريقه إلى عقبة بن خالد ما هو، فكل هذه الأمور توجب عدم تمامية سند هذه الروايات.
ومن طرق العامّة وردت نفس هذه الأقضية، حُكي عن مسند احمد بن حنبل أنه روى عن عبّاد بن الصامت جملة كثيرة من أقضية رسول الله (صلّى الله عليه وآله وسلّم) وفيها قضاؤه بحق الشفعة، وبعدم منع فضل الماء ليمنع به فضل الكلأ، وقضاؤه بأنّه لا ضرر ولا ضرار، وواضح أنّها ليست تامّة سنداً.
الطائفة الثالثة: هي جملة من المراسيل، أكثر من واحد من فقهائنا ذكر عبارة(لا ضرر ولا ضرار)، لكن من دون إسناد، ومنهم الشيخ الصدوق(قدّس سرّه) نقل هذه القضية في مقام الاستدلال بها، العبارة التي نقلها هي(لا ضرر ولا ضرار في الإسلام، فالإسلام يزيد المسلم خيراً ولا يزيده شراً).[9] الشيخ الطوسي(قدّس سرّه) وغيره أيضاً ذكروا في الكتب الاستدلالية وغيرها هذه العبارة على نحو الإرسال أنّ النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) قال:(لا ضرر ولا ضرار). وأمثال هذه العبارات، وغالباً ما يستدلون بهذه الفقرة على بعض الأمور بعنوان أنّها حديث شريف وارد عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، لكنهم يذكرونه بنحو الإرسال.
هذه هي أهم روايات الباب. وتبيّن أنّ جميع روايات الباب غير تامة سنداً باستثناء رواية واحدة وهي الرواية الأولى من الطائفة الأولى التي نقلها الشيخ الكليني عن ابن بكير عن زرارة.
إذاً: بحسب المباني والقواعد الرجالية إذا أردنا أن نطبقّها على هذه الروايات نخرج بنتيجة أنّه لا يتم عندنا سند رواية إلا الرواية الأولى الموجودة في الكافي، وأما باقي الروايات فغير تامّة؛ فحينئذٍ تثبت القاعدة، لكن ثبوتاً ظنّياً، باعتبار أنّها رواية حجّة معتبرة دلّت على هذه القاعدة، لا أنّها تثبت ثبوتاً قطعياً، وهذا يؤثر في بعض الأبحاث السابقة، إذا لم نلتزم بما سيأتي من أنّه قد يقال بحصول التواتر أو الاستفاضة، فبقطع النظر عن هذا، إلى هنا القضية هي قضية خبر واحد دلّ على قاعدة لا ضرر ولا ضرار، فهي قاعدة ظنّية ثابتة بدليلٍ ظنّي لا أكثر.