37/06/10


تحمیل

الموضوع: الأصول العمليّة / شرائط جريان الأصول العملية/ قاعدة لا ضرر

 

انتهى الكلام إلى ما ذكره المحقق شيخ الشريعة الأصبهاني(قدّس سرّه) من أنّ روايات عقبة بن خالد هي رواية واحدة جُمعت فيها كل الأقضية عن رسول الله(صلّى الله عليه وآله وسلّم)غاية الأمر أنّ الأصحاب فرّقوها على الأبواب الفقهية المختلفة، فالتوزيع حصل من قِبل الأصحاب، وإلا بالأصل هي رواية واحدة يرويها عقبة بن خالد. واستدل عليه بأنّ الاحتمالات في المقام ثلاثة تقدّم ذكرها في الدرس السابق، وكان الاحتمال المتعيّن هو الاحتمال الثالث.

الجواب على هذا الاستدلال هو: أننا لا نحتمل أنّ الأقضية اساساً كانت في مجلس واحد، وإنما هي أقضية متفرقة في مجالس متعددة وفي عدّة مواقع، الأقضية هكذا صدرت من النبي(صلّى الله عليه وآله وسلّم) متفرّقة، وعبادة بن الصامت جمعها في رواية واحدة لمناسبة هي أنّها كلّها أقضية للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) هكذا فعل عبادة بن الصامت بحسب الأخبار المروية في كتب العامة. أمّا عقبة بن خالد عندما نقل هذه الأقضية متفرّقة عن الإمام الصادق(عليه السلام) بالشكل الذي وصل إلينا، القضاء في الشفعة، والقضاء في باب منع فضل الماء، من قال أنّ الإمام الصادق(عليه السلام) رواها مجتمعةً ؟ بحيث أنّ عقبة بن خالد أساساً رواها مجتمعة عن الإمام الصادق(عليه السلام) ثمّ فرّقها الأصحاب.

وبعبارةٍ أخرى: ما هو الملزم للإمام الصادق(عليه السلام) أن يجمع بين هذه الأقضية المختلفة في رواية واحدة كما فعل عبادة بن الصامت حتى نقول أنّ الرواية التي يرويها عقبة بن خالد عن الإمام الصادق(عليه السلام) هي رواية واحدة جمع فيها بين المتفرّقات ؟ لا ملزم لهذا، فلعلّ الإمام الصادق(عليه السلام) رواها متفرّقة كما هي متفرّقة، روى قضاءً في الشفعة عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم)، ونقله لنا عقبة بن خالد، وروى رواية في النهي عن منع فضل الماء ونقلها إلينا عقبة بن خالد......وهكذا في جملة من الأقضية. ما هو الملزم بأن نفترض أنّ الإمام الصادق(عليه السلام) جمع بين هذه الأقضية في رواية واحدة، وأنّ عقبة بن خالد نقل هذه الرواية الواحدة، وأنّ التقطيع جاء من قِبل الأصحاب؛ بل هناك افتراض آخر معقول جداً، وهو أن نفترض أنّ الإمام الصادق(عليه السلام) وزعها كما هي كذلك، وعقبة بن خالد أيضاً نقلها موزعة كما سمعها من الإمام الصادق(عليه السلام)، فوصلت إلينا موزّعة، لا أنّ الأصحاب هم الذين قطّعوها.

ثمّ بعد ذلك كأنّه يحاول أن يستدل على وثاقة عبادة بن الصامت وإتقانه في النقل بمسألة المطابقة، فيقول: لا يوجد هناك اختلاف بين الأقضية التي ينقلها عبادة بن الصامت وبين الأقضية التي ينقلها عقبة بن خالد؛ بل يقول لا يوجد اختلاف بينهما أصلاً، إلاّ في المسألة التي هي محط النظر، وهي مسألة أنّ حديث (لا ضرر ولا ضرار) وقع في رواية عبادة بن الصامت كقضاءٍ مستقل في قِبال بقية الأقضية ولا ربط له بالقضاء في الشفعة ومنع فضل الماء. بينما في رواية عقبة بن خالد الأمر بالعكس، وإنّما وقع (لا ضرر ولا ضرار) ذيلاً لحديث الشفعة، وذيلاً لحديث منع فضل الماء، فيكون ظاهراً في التعليل والارتباط. ويريد أن يثبت بهذا أنّ نقل عبادة بن الصامت نقل متقن جداً؛ ولذا لا يوجد هناك اختلاف بين ما ينقله عبادة بن الصامت وبين ما ينقله عقبة بن خالد.

من خلال هذه الأمور التي ذكرها كأنه يقول: توجد رواية مروية عن عبادة بن الصامت مروية في كتب العامّة وقع فيها حديث (لا ضرر ولا ضرار) كقضاءٍ مستقلٍ في قِبال سائر الأقضية، فلا يرتبط حديث (لا ضرر ولا ضرار) بحديث الشفعة، ولا بحديث منع فضل الماء، ولا بأي شيءٍ آخر، وإنّما ورد كقضاءٍ مستقلٍ، بينما في رواية عقبة بن خالد ليس مستقلاً، وإنّما ارتبط بحديث الشفعة، أو ارتبط في رواية أخرى بحديث منع فضل الماء. إذاً: لدينا روايتان تنقلان أقضية للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم) في أحد النقلين هناك ارتباط بين حديث (لا ضرر ولا ضرار) وبين بعض الأقضية، وفي النقل الآخر لا يوجد أي ارتباط بين حديث (لا ضرر ولا ضرار) وبين باقي الأقضية وإنّما وقع بشكلٍ مستقل.

المحقق شيخ الشريعة الأصبهاني(قدّس سرّه) يريد أن يوجّه رواية عقبة بن خالد التي قلنا أنّها ظاهرة في الارتباط، وهو اعترف بهذا الظهور في الارتباط، لكنّه يريد توجيه ظاهرها بما يوافق رواية عبادة بن الصامت، يعني يريد أن يفك الارتباط، ويقول: في رواية عقبة بن خالد أيضاً لا يوجد ارتباط، وإنّما هذا الارتباط نتج عن الجمع بين هذه الأقضية، فهو يريد توجيه ظاهر رواية عقبة بن خالد بما يوافق رواية عبادة بن الصامت، وبالتالي يرفع اليد عن ظهور رواية عقبة بن خالد في الارتباط.

هذا الذي يذكره مضافاً إلى ما تقدّم من بعض الأمور التي ذكرها كمقدّمة لما إدّعاه فيها ما تقدّم سابقاً، يُضاف إلى هذا كلّه أنّ هناك ملاحظات أخرى ترد على كلامه :

منها: المُلاحَظ في رواية عقبة بن خالد أنّ حديث (لا ضرر ولا ضرار) ذُكر مرتين، مرّة بعد حديث الشفعة، ومرّة بعد حديث منع فضل الماء. كيف نستطيع أن نفسّر ذكر حديث (لا ضرر ولا ضرار) مرتين في هذه الرواية لو كان ما يقوله المحقق شيخ الشريعة الأصبهاني(قدّس سرّه) صحيحاً، وما يقوله هو: أنّ (لا ضرر ولا ضرار) هو قضاء مستقل لا ارتباط له بسائر الأقضية كما هو الحال في رواية عبادة بن الصامت، لو كان حديث (لا ضرر ولا ضرار) قضاءً مستقلاً في قِبال سائر الأقضية وليس له ارتباط بها، وعقبة بن خالد كان يروي أقضية مجتمعة، وواحد من هذه الأقضية (لا ضرر ولا ضرار)؛ إذاً: لماذا كررّه مرتين ؟! المفروض أن يذكره مرّة واحدة كما هو الحال في سائر الأقضية، القضاء في الشفعة لم يكرره مرتين في هذه الأقضية المجتمعة، حديث منع فضل الماء لم يكرره مرتين، وإنّما ذكره مرة واحدة، بينما حديث (لا ضرر ولا ضرار) كررّه مرتين، وهذا التكرار مرتين من الصعب جداً تفسيره على ضوء ما يقوله المحقق شيخ الشريعة الأصبهاني(قدّس سرّه) من أنّ حديث (لا ضرر ولا ضرار) هو قضاء مستقل لا علاقة له بسائر الأقضية. بينما إذا قلنا أنّه مرتبط وليس قضاءً مستقلاً؛ فحينئذٍ من المعقول جداً تكراره كلّما كانت هناك حاجة إلى ذلك، فيكرر في باب الشفعة؛ لأنه مرتبط بحديث الشفعة، ويكرره أيضاً في حديث النهي عن منع فضل الماء؛ لأنّه مرتبط بحديث النهي عن منع فضل الماء.......وهكذا. هذه أيضاً ملاحظة تمنع من الوصول إلى ما ذكره.

من جهة أخرى: أساساً كيف نستطيع أن نثبت أنّ رواية عقبة بن خالد كانت رواية واحدة جُمع فيها بين أقضية للنبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم) مختلفة ؟ يعني حالها حال رواية عبادة بن الصامت، في رواية عبادة بن الصامت واضح أنّ عبادة جمع بين أقضية مختلفة ذُكرت في مناسبات متعددة ومجالس متعددة، عبادة جمع بين هذه الأقضية بجامع أنّها أقضية للرسول (صلّى الله عليه وآله وسلّم). ما هو الدليل على أنّ عقبة بن خالد هو تصدّى للجمع، أو أنّه يروي عن الإمام الصادق(عليه السلام) هذا الجمع ؟ لم يقم دليلاً على هذا، رواية عقبة بن خالد وصلت إلينا متفرقة، رواية في باب الشفعة، ورواية في باب النهي عن من فضل الماء، ورواية في موردٍ آخر، ما الذي يثبت أنّ رواية عقبة بن خالد بالأصل كانت رواية واحدة جمع فيها بين الأقضية ؟ هذا ليس له ما يثبته حتى نتسلسل معه، هو يدّعي أنّ الرواية واحدة جُمع فيها بين أقضية متعددة، ويثبت به أنّ ما يظهر من رواية عقبة بن خالد من الارتباط إنّما جاء نتيجةً للجمع بين هذه الأقضية المختلفة، لا أنّ حديث (لا ضرر ولا ضرار) هو بالأساس واقع ذيلاً لحديث الشفعة، عبادة بن الصامت جمع بين الأقضية لكن لم يكن كلامه يوهم بوجود ارتباط، وإنّما نقلها كما هي، أقضية مختلفة متعددة وواحد منها هو قضاء (لا ضرر ولا ضرار). هذا نتيجة الجمع وقع فيما يوهم وجود ارتباط، وإلاّ هو أساساً لا يكون هناك ارتباط، وهذا كلّه مبني على افتراض أنّ في رواية عقبة بن خالد كان هناك جمع بين المتفرقات، وهذا ليس واضح لدينا، ولم يثبت أنّها عبارة عن رواية واحدة، وإنّما هي عبارة عن مجموعة روايات رواها عن الإمام الصادق(عليه السلام) في أقضية مختلفة.

الأمر الآخر الذي يمكن أن يُلاحظ على كلامه أيضاً هو: في رواية عقبة بن خالد لوحظ بأنّ (لا ضرر ولا ضرار) في حديث الشفعة وقع بين الحكم بنفي الشفعة وبين تتمة لهذا الحكم. الرواية هي :

(قضا رسول الله "صلّى الله عليه وآله وسلّم" بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والمساكن وقال: لا ضرر ولا ضرار، وقال: إذا رُفت الأرف وحُدّت الحدود، فلا شفعة ). [1]

من الواضح أنّ الذيل مرتبط بالحكم بالشفعة بين الشركاء في الأرضين والمساكن، لو كان (لا ضرر ولا ضرار) قضاءً مستقلاً ولا علاقة له بالشفعة، فلماذا يُذكر متوسطاً بين الحكم بالشفعة وبين هذه التتمة التي هي تتمة للحكم بالشفعة، وإنّ الشفعة إنما تجري عندما تكون الحصة مشاعة، وأمّا بعد القسمة، فلا تكون هناك قسمة. المناسب جداً أن لا يقع متوسطاً بينهما، وإنّما يُذكر هذا، ثمّ يُذكر حديث (لا ضرر ولا ضرار). هذا أيضاً ممّا يؤيد وجود الارتباط، وأنّ حديث (لا ضرر ولا ضرار) لم يرِد بشكلٍ مستقلٍ، وكقضاءٍ مستقلٍ أيضاً. هذه نكتة أخرى أيضاً تُبعّد ما قاله.

الأمر الآخر هو في نفس هذا الحديث، في هذا الحديث يقول:(وقال: لا ضرر ولا ضرار). بينما قبله قال:(قضى رسول الله "صلّى الله عليه وآله وسلّم" بالشفعة بين الشركاء). ما يُقال هو: لو كان لا ضرر ولا ضرار من جملة الأقضية المستقلّة، وكان الجمع جمعاً بين المتفرّقات، كان المناسب أن يُعطف (وقضا) كما في سائر الأقضية، إذا لاحظنا رواية عبادة بن الصامت(قضا رسول الله بكذا) و(قضا بكذا وقضا بكذا)، و(في قضاء رسول الله كذا) العطف يكون بهذا الشكل، بينما هنا عطف بــــ(وقال لا ضرر ولا ضرار)، ولم يقل(وقضا بأنّه لا ضرر ولا ضرار).

قد يُعترض هنا ويقال: هذا من هذه الجهة صحيح، لكن من جهة أخرى، نفس أن يقول(وقال) فيه دلالة على أنّه قضاء مستقل، وإلاّ كان بالإمكان عطفه على ما قبله بلا(قال)، فعندما يقول(وقال) فهذا معناه أنّه شيء مستقل لا ارتباط له بما قبله.

ويجاب عن هذا الاعتراض: بأنّ الحاكي مضطر إلى أن يقول(وقال)؛ لأنّ عطفه على ما قبله لا يصح من دون أن يأتي بكلمة(قال)؛ لأنّ ما قبله (وقضا رسول الله..)هو حكاية فعل وليس حكاية قول، فعندما يريد أن يعطف عليه لا يجوز أن يعطف عليه من دون أن يقول(قال). وبعبارةٍ أخرى: عندما يقول(وقضا رسول الله..) لا يستطيع أن يقول(ولا ضرر ولا ضرار)؛ لأنّ ذاك حكاية فعل يعطف عليه حكاية قول(ولا ضرر ولا ضرار) هذا قول، فهو مجبر على أن يأتي بكلمة(وقال)؛ لأنّ هذا من سنخ القول، والمعطوف عليه من سنخ الفعل، فإذاً: لابدّ أن يأتي بـــــ (وقال). لو كان سابقاً يحكي قولاً، مثلاً يقول:(قال رسول الله الشفعة تثبت بين الشركاء في الأرضين والمساكن...)؛ فحينئذٍ يستطيع أن يعطف عليه بدون أن يأتي بكلمة(وقال)، فيقول(ولا ضرر ولا ضرار)؛ لأنه عطف حكاية قولٍ على حكاية قولٍ، لكن في المقام توجد حكاية فعل، فعندما يريد أن يعطف عليه حكاية قول لابدّ أن يأتي بكلمة(وقال).

إذاً: كلمة(وقال) لا تعني أنّ (لا ضرر ولا ضرار) هو قضاء مستقل، وإنّه جاء بـــ(وقال) لكي يبيّن ويبرز أنّ هذا قضاءً مستقلاً في قبال سائر الأقضية؛ بل الظاهر أنّ (وقال) في المقام هي تؤكد الذي قيل سابقاً، وأنّ هذا ليس قضاءً مستقلاً لعُطِف على ما قبله بـــــ (قضا) كما هو الحال في سائر الأقضية، ففي كلّها معطوف بعضها على بعض بــــ (قضا رسول الله ...). من هذا والنكتة التي ذكرناها، بأنّ (وقال) لابدّ منها في مقام عطف حكاية القول على حكاية الفعل يتضح أنّ هذا يؤيّد أنّ هناك ارتباطاً بين هذا الحديث وبين القضاء بالشفعة. هذا ما يمكن أن يقال في مقام بيان أنّ ما ذكره هذا المحقق ليس كما ينبغي.

إلى هنا يتبيّن أنّه بالنسبة إلى الطائفة الثانية من الأخبار التي كان الجامع فيما بينها هو أنّها تتعرّض لبعض الأقضية المنقولة عن النبي (صلّى الله عليه وآله وسلّم). أنّ سند هذه الطائفة غير تامٍ لوجود مشاكل سندية في الروايات التي تذكر ذلك، والبحث الذي يقع في هذه الطائفة كان منصبّاً مع المحقق شيخ الشريعة الأصبهاني(قدّس سرّه) في أنّه هل هذه الرواية أو الروايات الواصلة إلينا المنقولة عن عقبة بن خالد، هل هي كرواية عبادة بن الصامت كما هو ذهب إليه ؟ هل هي من باب الجمع بين المتفرّقات، وأنّها رواية واحدة والتقطيع حصل من قِبل الأصحاب، أو أنّها ليست كذلك ؟ وقد تبيّن أنّه لا دليل على ما ذكره بشكلٍ واضحٍ؛ بل ظواهر الأمور تدل على عدمه، ظواهر الأمور أنّها روايات متعددة مروية عن عقبة بن خالد، فنتعامل معها على هذا الأساس، وظهور الروايات في أنّ (لا ضرر ولا ضرار) جاء تعليلاً وجاء ذيلاً لحديث الشفعة وحديث النهي عن منع فضل الماء، هو ظهور لا ينُكر، وهو أيضاً اعترف به. غاية الأمر أنّه أراد أن يرفع اليد عن هذا الظهور، باعتبار وجود ظهورٍ أقوى منه في رواية عبادة بن الصامت، وله ظهور واضح في كلتا الروايتين، وليس قضاءً مستقلاً؛ وحينئذٍ لا يمكنه أن يثبت ما ذهب إليه من أنّ حديث (لا ضرر ولا ضرار) مفاده الحرمة التكليفية لا غير؛ لأنّ هذا إنما يثبت إذا كان قضاءً مستقلاً وغير مرتبط بحديث الشفعة وسائر الأقضية، أمّا إذا جاء مرتبطاً بهما وتعليلاً لهما؛ حينئذٍ لا يكون دالاً على الحرمة التكليفية لا غير؛ لأنّه يثبت به كما تقدّم سابقاً الحكم المناسب لنفي الضرر ونفي الحكم الضرري، أو نفي الموضوع الضرري على الاختلاف الآتي في تفسير حديث (لا ضرر ولا ضرار).