35/08/03


تحمیل
الموضوع : التجري
الى هنا قد وصلنا الى هذه النتيجة، وهي انه لا ملازمة بين حكم العقل العملي بالحسن والقبح وبين حكم الشارع بالوجوب و الحرمة، لأن الحكم الشرعي تابع للمصلحة والمفسدة الواقعيتين، فالوجوب تابع للمصلحة الملزمة والمصلحة غير الحسن اذ هي قد تجتمع مع الحسن وقد لا تجتمع، والحرمة تابعة للمفسدة وهي غير القبح اذ قد تجتمع معه وقد لا تجتمع ولهذا تكون النسبة بينهما عموم من وجه .
فإذن لا ملازمة بين حكم العقل بحسن شيء او قبحه وبين حكم الشارع بالوجوب او الحرمة، وكذلك على القول بان الحسن والقبح امران مجعولان من قبل العقلاء كما ذكره المحقق الاصفهاني(قده) على تفصيل تقدم وانه لا يرجع الى معنى صحيح ايضا، فانه لا شبهة في ان الحسن والقبح امران واقعيان ثابتان في لوح الواقع ويدركهما العقل كسائر مدركاته الواقعية وليسا امرين مجعولين بحيث لا واقع موضوعي لهما غير جعل العقلاء واعتباره، ولهذا ليس الامر كما افاده (قده) .
واما الملازمة بين حكم العقل النظري وبين حكم الشرع فهي ثابتة، فان العقل اذا ادرك مصلحة ملزمة في فعل غير مزاحمة فلا محالة يكشف عن وجوبه، باعتبار ان الاحكام الشرعية تابعة للمصالح والمفاسد الواقعيتين، فاذا ادرك العقل مفسدة في شيء ملزمة وغير مزاحمة فبطبيعة الحال يكشف عن حرمته شرعا وهذا مما لا شبهة فيه، ولكن ليس لهذه الملازمة صغرى في ابواب الفقه ولهذا لم يستدل في ابواب الفقه في شيء من المسائل بدليل العقل النظري، لأنه لا طريق للعقل الى ملاكات الاحكام الشرعية أي ان في هذا الفعل مصلحة وفي ذاك الفعل مفسدة لان هذا بحاجة الى علم الغيب فليس بإمكان العقل ادراك ذلك .
وفي مقابل هذا القول، قول باستحالة الملازمة بين حكم العقل العملي وبين حكم الشرع، فان العقل اذا حكم بحسن شيء فهو محرك للمكلف وداعٍ للمكلف نحو الاتيان بالفعل واذا حكم بقبح شيء فهو محرك للمكلف وداعٍ له الى الابتعاد والاجتناب عنه ومع ذلك جعل الوجوب بداعي التحريك لغو وكذلك جعل الحرمة، فان المحرك موجود في المرتبة السابقة وهو حكم العقل بالحسن او القبح فهو محرك وداعٍ ومعه لا وجه لجعل داعٍ اخر من قبل الشارع فانه لغو وجزاف، ومن الواضح ان صدور اللغو والجزاف من المولى الحكيم مستحيل، فمن اجل ذلك تستحيل الملازمة بين حكم العقل العملي وبين حكم الشرع .
والجواب عن ذلك واضح :
فان هذا القول لا اساس له ولا يرجع الى معنى محصل، اذ لا شبهة في ان حكم العقل بالحسن او القبح لا يمنع من حكم الشارع بالوجوب او الحرمة، فان العقل اذا حكم بحسن رد الامانة الى صاحبها فلا مانع من حكم الشرع بوجوبه وهذا ليس لغواً، فان حكم الشرع بالوجوب قد احدث ملاكا جديدا لتحريك المكلف وداعويته نحو الاتيان بالفعل وهو حق الطاعة للمولى الحقيقي، او اذا حكم العقل العملي بقبح الخيانة فلا مانع من ان يحكم الشارع بحرمتها، فان حكم الشارع بحرمتها لا يكون لغواً لأنه قد احدث ملاكا جديدا لتحريك المكلف وهو حق الطاعة للمولى .
فإذن تتأكد المسؤولية وتتأكد المحركية فكيف يكون حكم الشارع لغواً، او ان العقل العملي يحكم بحسن الصدق فلا مانع من ان يحكم الشارع بوجوبه وان الصدق واجب او ان العقل يحكم بقبح الكذب فلا مانع من ان يحكم الشارع بحرمته ولا يكون لغواً لأنه قد احدث ملاكا جديدا لتحريك المكلف ولداعويته الى الاتيان بالفعل وهذا الملاك الجديد هو حق الطاعة للمولى الحقيقي .
ومن هنا قلنا انه لا مانع من اعمال المولى مولويته في ايجاب الطاعة للمولى وقبح معصيته، فان للمولى ان يحكم بوجوب مولوي أي ان يحكم بحرمة المعصية حرمة مولوية ولا مانع من ذلك فانه يؤكد تحريك المكلف من خلال احداث ملاكا جديدا لحق الطاعة ويوجب تؤكد المسؤولية والمحركية للمكلف فكيف يكون لغواً، وان كان المعروف والمشهور في ألسنة الفقهاء ان أومر الطاعة والمعصية ارشادية ولا يمكن ان تكون مولوية لأنه لغو، ولكن قد عرفت ان الامر ليس كذلك اذ لا مانع من ان يعمل المولى عملا مولويا يحكم بموجبه بجوب الطاعة مولويا فأنه يؤكد ملاك داعوية المكلف الى الفعل ومحركيته ومسؤوليته لأنه قد احدث ملاكا جديدا لحق الطاعة للمولى الحقيقي
فإذن ما ذكره هذا القائل من استحالة الملازمة بين حكم العقل العملي وحكم الشرع لا يرجع الى معنى محصّل، اذ لا شبهة في امكان هذه الملازمة فإن حكم العقل العملي لا يمنع من حكم الشرع سواء أ كان حكمه بحسن شيء ام كان حكمه قبح شيء فإنه لا يمنع من حكم الشارع بالوجوب او حكم الشارع بالحرمة .
هذا كله في المقام الاول، وقد ظهر ان الملازمة غير ثابتة بين حكم العقل العملي وبين حكم الشرع .
واما الكلام في المقام الثاني
فعلى تقدير تسليم الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع، فان هذه الملازمة ثابتة، اذ متى حكم العقل بحسن شيء حكم الشارع بوجوبه ومتى حكم بقبح شيء حكم الشارع بحرمته فهذه الملازمة ثابتة .
وهل تنطبق هذه الملازمة على قبح التجري حتى يكون الفعل المتجرى به حراما او ان هناك مانع من هذا التطبيق ؟
قد أختار جماعة منهم المحقق النائيني (قده) والسيد الاستاذ (قده)، بان المانع من هذا التطبيق موجود فلا يمكن تطبيق هذه القاعدة على قبح التجري والالتزام بحرمة الفعل المتجرى به، وقد ابدى السيد الاستاذ (قده) مانعين في المقام :
المانع الاول : أن الحرمة المجعولة للفعل المتجرى به لا تخلو من ان تكون مختصة بموارد التجري او انها تشمل موارد العصيان ايضا ؟ ولا ثالث في البين، وكلا الفرضين لا يمكن، اما الفرض الاول وهو ان تكون هذه الحرمة مختصة بموارد التجري فيلزم محذور عدم وصول هذه الحرمة الى المتجري وعدم تنجزها عليه لأن وصولها الى المتجري وتنجزها عليه منوط بالتفات المتجري بأنه متجري، باعتبار ان هذه الحرمة مجعولة للفعل المتجرى به المتوجه الى المتجري أي ان الموضوع هو المتجري ولا بد ان يكون ملتفتا الى انه متجري حتى تصل الحرمة اليه وتتنجز، واما اذا لم يكن ملتفتا الى انه متجري كما هو كذلك لأنه معتقد بانه عاص وليس بمتجري، فان من اعتقد بان هذا المائع خمر وشربه فهو معتقد بانه عاصٍ ولا يكون ملتفتا بانه متجرٍ، وطالما لم يلتفت الى هذا العنوان لم تصل الحرمة اليه ولم تكن منجزة عليه ولا تكون داعية الى الابتعاد عن هذا الفعل، ومن الواضح ان الحكم اذا لم يكن داعيا الى المكلف فجعله مستحيل، فان الغرض من جعل الوجوب او الحرمة انما هو ايجاد الداعي في نفس المكلف، فطالما يكون التكليف غير قابل لأن يكون داعيا فيستحيل جعله لأن جعله لغو وصدور اللغو من المولى الحكيم مستحيل، وحيث ان المتجري لا يكون ملتفتا الى انه متجري فلا تصلح هذه الحرمة الى ان تكون داعية له، فاذا لم تصلح ان تكون داعية له فلا يمكن جعلها .
واما اذا التفت الى انه متجري انقلب الموضوع فصار عاصيا ..............فاذا التفت الى انه متجري معناه انه التفت الى ان المائع ماء مباح وليس بخمر أي انقلب الموضوع فمن اجل ذلك لا يمكن جعل هذه الحرمة للفعل المتجرى به بل هي خاصة في مورد التجري وهو لا يمكن .
واما على الفرض الثاني وهو جعل هذه الحرمة للجامع بين التجري وبين المعصية وهو هتك حرمة المولى اذ هتك حرمة المولى جامع بين التجري وبين المعصية، فهذه الحرمة مجعولة للجامع بين المتجري والعاصي وهو يستلزم التسلسل، فان عصيان التكليف الاول قبيح وقبحه يستلزم الحرمة ومخالفة هذه الحرمة قبيح وقبحه يستلزم حرمة ثالثة وهكذا يذهب الى ما لا نهاية له فمن اجل ذلك لا يمكن جعل الحرمة للفعل المتجرى به لا بالخصوص ولا بالجامع بين التجري وبين المعصية، هكذا ذكره السيد الاستاذ (قده) [1].
وللمناقشة في كلا الفرضين مجال .