35/08/04


تحمیل
الموضوع : التجري
الى هنا قد تبين ان السيد الاستاذ(قده) قد ذكر مانعين من تطبيق قاعدة الملازمة على قبح التجري :
الاول : ان حرمة الفعل المتجرى به اما ان تكون مختصة به او تكون مجعولة للجامع بين التجري والمعصية، وكلا الفرضين لا يمكن، اما الفرض الاول فلأن الحرمة اذا كانت مجعولة للفعل المتجرى به فلا يمكن وصولها الى المتجري وتنجزها عليه لأن وصولها يتوقف على كون المتجري ملتفتا الى كونه متجريا وطالما لم يكن ملتفتا الى ذلك لم تكن الحرمة واصلة اليه وداعية ومحركة له ومنجزة عليه، وهذا نظير التكليف الموجه الى الناسي او الجاهل المركب او الغافل، فان هذا التكليف لا يمكن وصوله الى الناسي وتنجزه عليه فانه متوقف على ان الناسي ملتفتا الى انه ناسي والغافل يكون ملتفتا الى انه غافل حتى يكون هذا التكليف واصلا اليه ومنجزا، والمفروض انه اذا التفت اليه انقلب الموضوع وما نحن فيه كذلك، فان حرمة الفعل المتجرى به لا يمكن وصولها الى المتجري طالما لم يكن ملتفتا الى انه متجري واذا التفت اليه انقلب الموضوع، فمن اجل ذلك لا يمكن جعل الحرمة الى الفعل المتجرى به خاصة .
واما الفرض الثاني، وهو جعل الحرمة للجامع بين التجري والمعصية فهو ايضا لا يمكن لاستلزامه التسلسل، فان عصيان التكليف الاول قبيح وقبحه يستلزم الحرمة وعصيان هذه الحرمة قبيح وقبحه ايضا يستلزم الحرمة وهكذا الى ما لا نهاية له، فمن اجل ذلك لا يمكن جعل الحرمة للجامع بين التجري والمعصية .
ولكن كلا الفرضين قابل للمناقشة :
اما الفرض الاول، فان ما ذكره السيد الاستاذ (قده) تام في موارد القطع فاذا كان المتجري قاطعا بشيء فما ذكره تام، فان القاطع لا يكون ملتفتا الى انه متجرٍ، بل هو قاطع بانه عاصٍ كما اذا قطع بان هذا المائع خمر او ان هذا المائع ملك الغير ففي مثل هذه الموارد موارد القطع لا يمكن جعل الحرمة للفعل المتجرى، لأن هذه الحرمة لا يمكن وصولها الى المتجري لأنه لا يكون ملتفتا الى انه متجرٍ بل هو قاطع بانه عاصٍ وان قطعه مطابق للواقع .
ولكن ما ذكره (قده) في موارد الامارات المعتبرة والأصول العملية الشرعية كالاستصحاب والاحتياط، فان في موارد الامارات الشرعية احتمال الخلاف موجود، فان المكلف يحتمل ان هذه الامارة غير مطابقة للواقع، فاذا فرضنا ان الامارة قامت على حرمة شرب التتن لكن المكلف يحتمل ان هذه الامارة غير مطابقة للواقع وان شرب التتن في الواقع حلال ففي مثل ذلك لا مانع من جعل الحرمة للفعل المتجرى به، لان المكلف يحتمل فالحرمة قابلة للوصول اليه بالوصول الاحتمالي فان التكليف اما ان يكون واصلا الى المكلف بالوصول الوجداني او بالوصول التعبدي او بالوصول الاحتمالي، وقد يكون الوصول الاحتمالي يكفي في تنجز التكليف واستحقاق العقوبة على مخالفته والمثوبة على موافقته، او اذا فرضنا استصحاب بقاء خمرية مائع اذا شككنا في انه باق على خمريته او انقلب خلاً فلا مانع من استصحاب بقائه على خمريته، ولكن احتمال الخلاف موجود أي يحتمل ان هذا الاستصحاب يكون مخالفا للواقع وان هذا الخمر صار خلاً فالاستصحاب مجرد تعبد من قبل الشارع واحتمال الخلاف موجود ومعه لا يكون مانعا لجعل الحرمة للفعل المتجرى به، فان شرب هذا المائع تجرٍ باعتبار ان استصحاب بقاء خمريته حجة، فاذا اقدم مع ذلك على شربه فهو تجرٍ على المولى وتفويت لحقه وهو حق الطاعة وهو من اظهر افراد الظلم على المولى، ولكن مع ذلك احتمال الخلاف موجود ومعه لا مانع من جعل الحرمة للفعل المتجرى به وهو شرب الخل، فان الحرمة قابلة للوصول الى المكلف بالوصول الاحتمالي .
فالنتيجة ان ما ذكره السيد الاستاذ (قده) انما يتم في موارد القطع الوجداني ولا يتم في موارد الامارات المعتبرة وفي موارد الاصول العملية والتجري لا يختص بوارد القطع الوجداني فالتجري كما يجري في موارد القطع الوجداني كذلك يكون في موارد الامارات المعتبرة الشرعية وموارد الاصول العملية .
فما ذكره (قده) غير تام مطلقا، فلا بد من التفصيل .
واما الفرض الثاني، فهو غير تام فان التسلسل انما يكون محالا في الامور الواقعية أي في العلل والمعلولات التكوينية، واما التسلسل في الامور الاعتبارية فلا معنى له فان الامور الاعتبارية التي لا واقع لها في الخارج امرها بيد المعتبر نفيا واثباتا وحدوثا وبقاءً، فان المعتبر اذا اعتبره تحقق في عالم الاعتبار وان لم يعتبره فلا وجود له ولهذا لا يعقل التسلسل في الامور الاعتبارية اذ التسلسل انما هو بين العلل والمعلولات التكوينية، فان كل معلول ينبثق من علة متقدمة عليه رتبة فان المعلول عين الربط بالعلة وليس للمعلول وجود مستقل في مقابل وجود العلة، فالمعلول يتولد من العلة وننقل الاكلام الى تلك العلة وهي ايضا ممكن ومعلولة فهي تنبثق من علة اخرى فوقها وهكذا تذهب الى ما لا نهية له وهذا هو التسلسل المستحيل، فان تسلسل العلل ومعلولاتها التصاعدية لا بد ان تنتهي الى علة ذاتية واجبة الوجود لا تحتاج في وجودها الى علة اخرى والا فيستحيل وجود هذه السلسلة، فمن اجل ذلك يكون التسلسل مستحيل فانه يلزم من فرض وجوده عدمه فانه اذا لم ينتهي الى علة ذاتية واجبة الوجود لم تتحقق السلسلة ولم توجد فيلزم من فرض وجودها عدم وجودها، وكلما يلزم من فرض وجوده عدمه فوجوده مستحيل .
فالتسلسل المحال انما هو تسلسل المعلولات بالنسبة الى عللها التصاعدية، واما في الامور الاعتبارية فلا يعقل التسلسل لأن الامور الاعتبارية فعل مباشر للمعتبر ولا يتصور في الامور الاعتبارية العلية والمعلولية والسببية والمسببية فلا يعقل ان يتولد اعتبار عن اعتبار اخر فان اعتبره وجد في عالم الاعتبار وان لم يعتبره لم يوجد في عالم الاعتبار، هذا مضافا الى انا لو فرضنا لزوم التسلسل في الحرمة ولكن يكفي امتثال واحد، فان المكلف اذا ترك الحرام كفى ذلك في امتثال جميع هذه المحرمات، فالمحرمات وان كانت متعددة ولكن في مقام الامتثال يكفي امتثال واحد فان ترك هذا الفعل واجتنابه يعد امتثال لجميع هذه المحرمات .
وكيف ما كان فما ذكره السيد الاستاذ (قده) من لزوم التسلسل لا يمكن المساعدة عليه .
الامر الثاني : ان هذه الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع انما هي في مرتبة علل الاحكام، فاذا ادرك العقل مصلحة ملزمة غير مزاحمة في فعل كشف عن وجوب ذلك الفعل واذا ادرك مفسدة ملزمة غير مزاحمة في فعل اخر كشف عن حرمة هذا الفعل، بتطبيق كبرى كلية وهي ان الاحكام الشرعية تابعة للمصالح والمفاسد الواقعيتين، واما في مرتبة معلولات الاحكام فلا ملازمة فالعقل يحكم بحسن الطاعة وقبح المعصية ولا شبهة في حكم العقل بذلك ولكن حكم العقل بذلك لا يستلزم الوجوب الشرعي بالطاعة اذ لا ملازمة بين حكم العقل بحسن الطاعة وبين الوجوب الشرعي بها، وكذلك لا ملازمة بين حكم العقل بقبح المعصية وحكم الشارع بحرمتها، هكذا ذكره السيد الاستاذ (قده) .
وقد افاد في وجه ذلك، ان حكم العقل بحسن الطاعة وبقبح المعصية انما هو محرك للمكلف وداعٍ للمكلف نحو امتثال الواجب والابتعاد عن الحرام ونحو طاعة المولى وأداء حقه وهو حق الطاعة، فان كان حكم العقل بحسن الطاعة وقبح المعصية كاف في تحريك المكلف فلا حاجة الى جعل الوجوب الشرعي المولوي بداعي تحريك المكلف لأنه لغو، فان حكم العقل يكفي لتحريك المكلف ودعوته الى الاتيان بالواجب والاجتناب عن الحرام واطاعة المولى، واما اذا لم يكن كافيا كما اذا فرضنا ان حكم العقل بحسن الطاعة وقبح المعصية لا يكفي لتحريك المكلف، فاذا جعل الشارع الوجوب المولي ثانيا فحكم العقل بحسن طاعته ايضا لا يكفي فلا فرق بين الوجوب الاول والوجوب الثاني فكما ان حكم العقل بحسن اطاعة الوجوب الاول لا يكفي في تحريك المكلف كذلك حكم العقل بحسن الطاعة بالنسبة الى الوجوب الثاني ايضا لا يكفي لأن حكم الامثال فيما يجوز وما لا يجوز على حد سواء، فمن اجل ذلك حكم العقل بحسن الطاعة لا يستلزم جعل الوجوب الشرعي المولوي وحكم العقل بقبح المعصية لا يستلزم جعل الحرمة الشرعية المولوية .