إنحراف المجتمع :

البريد الإلكتروني طباعة
كتاب الطفل بين الوراثة والتربية القسم الثاني ص 241 ـ ص 260


إنحراف المجتمع :

لايخفى أن الحياء من الناس والخوف من استنكار الرأي العام بالنسبة إلى كل من الجرائم ، يكون عندما يعتبر المجتمع تلك الأعمال مذمومة ومستهجنة. أما المجتمع المصاب بالإنحراف والضلال ، الذي تفقد فيه بعض الجرائم والمعاصي قبحها ، ويعتبرها الجميع أموراً اعتيادية ، فإنه لا يقف الإنحراف في ذلك المجتمع عند فقدان الحياء من قبل المجرمين ، بل قد يتفاخرون باعمالهم الهدامة وجرائمهم الشنيعة.
هذه النصوص تهدف الى بيان أهمية الحياء من الناس في تطبيق القوانين والوقاية من الجرائم. ولكن يوجد في زوايا المجتمع أفراد لا يخافون من استنكار الرأي العام ومع ذلك لا يحومون حول الذنب... بل إنهم لا يقدمون على المخالفة حتى في الخلوة ، لأنهم أفراد شرفاء يستحون من أنفسهم ، ويراعون شرف طباعهم وفضائلهم التي يمتازون بها... هؤلاء هم أفضل طبقات المجتمع.
قال علي عليه السلام : « أحسن الحياء استحياؤك من نفسك » (1).

التظاهر بالذنب :

من العوامل التي تؤدي الى الخروج على القيم الإجتماعية ، وتبعث الجرأة والجسارة في نفوس الأفراد على الاجرام ، تظاهر المجرمين بخروجهم على القانون. ولهذا السبب فإن الإسلام يمنع من ارتكاب الذنوب والجرائم من جهة ، ويحذر الناس من التظاهر بالذنوب المؤدي الى فقدان الحياء من جهة اخرى.
« عن الصادق عليه السلام عن أبيه : قال : قال رسول الله صلّى الله عليه وآله : إن المعصية إذا عمل بها العبد سراً لم تضرّ إلا عاملها ، وإذا عمل بها علانية ولم يعير عليه أضرّت بالعامة » (2).
____________
( 1 ) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي ص 191.
( 2 ) قرب الإسناد ص 26.


( 242 )

المجتمع الذي في العفة والإمتناع عن العلاقات الجنسيه غير المشروعة خرافة وجموداً ، ويعتبر الحرية في العلاقات غير المشروعة مثالاً للتقدم والوعي !!!
المجتمع الذي يعتبر الأمانة والصدق علامة البلادة والحماقة ، ويرى في الإرتشاء والكذب والتزوير سنداً للكفاءة والنجاح !!!
المجتمع الذي لا يرى قبحاً في شرب الخمر والقمار !!!
في هذا المجتمع لا يوجد معنى للحياء ومراقبة الأفكار العامة ، ولا يجد المجرم نفسه خوفاً من اللوم والتقريع ولا خشية من الاستنكار والإستهجان.
إن كل ذنب في المجتمع ، يشبه داء خطيراً يتضمن بين طياته مشاكل كبيرة لأفراده. ولكن المصيبة العظمى تتمثل في عدم اعتبار المجتمع ذلك العمل قبيحاً ، وعدم اعتبار المرتكب له مستحقاً للعقوبة واللوم. فمن البديهي أنه في هذه الحالة يسير المجتمع نحو الهاوية ، ولا يمر زمن طويل حتى تظهر الأثار الوخيمة لتلك النظرة الخاطئة.
لقد اعتبر الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله هذه الظاهرة من أخطر المشاكل الإجتماعية حيث قال :
« كيف بكم إذا فسدت نساؤكم ، وفسق شبابكم ، ولم تأمروا بالمعروف ولم تنهوا عن المنكر » ؟ !
فقيل له : ويكون ذلك يا رسول الله ؟ !
قال : نعم ، وشر من ذلك. كيف بكم إذا رأيتم المعروف منكراً والمنكر معروفاً ؟ ! » (1).
لقد شرح الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله مظاهر الإنحراف الإجتماعي
____________
( 1 ) قرب الإسناد : ص 26.

( 243 )

فاسدة فيهم... ولقد أدت التعاليم الجنسية ـ التي لا يقصد منها غير معرفة شؤون الحياة ـ الى نتائج مؤلمة جداً »
. « أكد الدكتور جبسون في مؤتمر جمعية الأطباء البريطانية أن إنعدام الضبط الخلقي يسيطر على جميع نقاط البلاد ، واعتبر الطب الروحي الجديد مقراً كل التقصير ».
« لقد أعلن ( الدكتور امبروس لينك ) ـ وهو من المعنيين الإختصاصيين في الأمراض الجنسية ـ بعد أيام من ذلك بأنه منذ عام 1957 وحتى الآن فقد ظهر مرض جنسي جديد بين الشبان الأحداث. وقد شاع بين الفتيان الذي تتراوح أعمارهم بين الـ 15 والـ 19 عاماً بنسبة 3 , 67% ، أما بين الفتيات اللاتي في نفس السن فقد ازداد المرض بنسبة 4 , 65% » (1).

والخلاصة أن الحياء الذي يمنع الفرد من ارتكاب الذنوب ، ويلعب دوراً مهماً في ضمان رعاية القوانين وتطبيقها من الصفات الفاضلة عند الإنسان. وكما ذكر الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله فإن هذا النوع من الحياء يدل على قوة العقل ومتانة الشخصية ، وهو رمز الضمير الحر والإرادة الرصينة.

تنمية الحياء عند الطفل :

على الوالدين أن يعوّدا طفلهما على الحياء منذ الصغر ، وأن يفهماه قبح الذنب واستياء الناس من المذنب ، وبهذا يستطيعان أن يقفا أمام انحرافه وخروجه على القانون.
إن الحياء المذموم أي الخجل المفرط من الصفات الذميمة. وأساس هذا النوع من الحياء هو ضعف الشخصية وعقدة الحقارة. وقد عبر الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله عن ذلك بحياء الحمق والجهل.
إن عقدة الحقارة قد تنشأ من سوء التربية ، وقد تستند الى العيوب الطبيعية أو
____________
( 1 ) جريدة ( اطلاعات ) الإيرانية ـ العدد | 10561.


( 244 )

في ثلاث مراحل : ـ الأولى إرتكاب الأفراد للذنوب والجرائم. والثانية دعوة بعضهم البعض إلى الفساد والإجرام والتناهي فيما بينهم عن عمل الخير والصلاح. والمرحلة الثالثة ـ وهي أخطر المراحل ـ أن يحصل تغيير أساسي في أفكار الناس فيروا الفساد والإنحراف خيراً ، وينظروا الى الصلاح والخير شراً.
إن مما يؤسف له أن كثيراً من البلاد الإسلامية مصابة بهذه البلية العظمى ، فقد فقدت غالبية الذنوب والجرائم قبحها في أنظار المسلمين وتعتبر أفعالاً اعتيادية ومالوفة. هذه الصفة الذميمة مزقت حجب الحياء الإسلامي ، والخوف من استنكار الناس ، في أنظار المجرمين فيقدمون على الجرائم من دون خوف أو رادع ويصابون بالمآسي والمشاكل من جراء ذلك.
وفي الغرب فقدت بعض المسائل ـ وخصوصاً الأمور المرتبطة بالمسائل الجنسية ـ القبح الذي كان في أنظار الناس تجاهها.. وعلى أثر ذلك نجد الشباب والفتيات يقدمون على أعمال فاسدة دون أي شعور بالخوف أو الإستنكار ، وتكون النتيجة أن يتزلزل أساس طهارة النسل ، والعفة الحلقية في تلك البلدان... وهذا ما تدل عليه الإحصاءات الجنائية في تلك الدولة وبعض الإحصاءات الإجتماعية الأخرى.
وعلى سبيل الشاهد نكتفي بمنوذج بسيط من ذلك : ـ
« يونايتد برس ـ لقد أعلن ( الدكتور رونالد جبسون ) قبل أيام في مؤتمر جمعية الأطباء البريطانية ، عند قراءة تقرير يتعلق بالقضايا الجنسية ، بأنه في أحدى المدارس الإنكليزية للبنات كانت الفتيات اللاتي تتراوح أعمارهن بين الـ 14 والـ 15 سنة يضعن شارات خاصة على صدورهن ، تشير الى أنهن قد فقدن بكارتهن ! لقد أدى هذا التقرير إلى إضطراب شديد في الأوساط الدينية ومن قبل أولياء أمور الفتيات ».
« لقد صرح الدكتور جٍبسون في مؤتمر كانتربوري أن البرامج التلفزيونية تقتل الذوق السليم عند الشباب ، وتؤدي إلى إثارات

( 245 )

النقائض الإجتماعية. والخلاصة أن هناك عوامل وعللا كثيرة يمكن أن تؤدي الى نشوء عقدة الحقارة ، فتبعث الإنسان على الخجل المفرط والحياء التافه.
« إن جميع المظاهر الحقيقية أو المجازية للتحقير الذي يحسّ به الطفل في اتصاله بالبيئة التي يعيش فيها يمكن أن تؤدي إلى نشوء هذه العقدة النفسية. يقول الدكتور آلاندي في كتابه ( الطفل المجهول ) : إن قلة ذات اليد واشتمال الملابس الرثة ، ووجود العاهات العضوية ، والمرض ، أو الشعور بالنقص في الأسرة... كل ذلك من الأمور التي تلعب دوراً كبيراً في نشوء هذه العقدة وعلى هذا فمن الضروري أن تعار أهمية بالغة الى جميع هذه العوامل حتى لا تنشأ الشخصية المنحرفة عند الأطفال ، لأن تغيير هذا الوضع الروحي في الفترات التالية يفتقر الى كفاح عنيف ، وجهد متواصل » (1).

إن الجانب الكبير من الأمراض النفسية والشعور بالحقارة ناشىء من سوء التربية في دور الطفولة ، فقد يترك السلوك الأهوج للوالدين في نفوس الأطفال أثراً سيئاً الى درجة أنه يصيبهم بالضعة والدونية ، ويظلون يتجرعون النتائج الوخيمة لذلك مدى العمر !
إن أفضل الأساليب المقترحة لوقاية نشوء هذا المرض هو التربية الصحيحة. على الوالدين أن يعدّا الأطفال منذ الأشهر الأولى لتربية سليمة ورعاية دقيقة حتى لا يصابوا بعقدة الحقارة أصلاً.

« بالرغم من أن جميع حركات الطفل إنعكاسه في بداية الأمر... ( الضحك ، البكاء ، الأكل ، المشي ، التكلم ) فإنه يجب تنظيم هذه الإنعكاسات. إن كيفية رعاية الوالدين وتغذيتهما لأطفالهما توضح لنا هل أنهما مربيان أم لا. أما أنه هل يجب تطوير الحركات الإنعكاسية واخضاعها ٌ نعم ، ومنذ الأيام الأولى يجب أن تبدأ

____________
( 1 ) ما وفرزندان ما ص 58.


( 246 )

هذه التربية. ان البكاء والعويل والتزمت كل ذلك يتصل اتصالاً وثيقاً بالرقابات الأولية ، فإن كانت منحرفة أدت الى نشوء الطفل على الأخلاق الذميمة والصفات الشريرة » (1).


المدح والثناء :

من الميول الفطرية عند الإنسان ، والتي تظهر منذ أولى أدوار الطفولة وتظل تلازمه مدى العمر ، الرغبة في المدح والثناء من قبل الآخرين. إن كل صغير وكبير يتوقع أن يلاقي استحساناً ومديحاً من قبل الأصدقاء والزملاء في الانتصارات التي احرزها في الحياة ، والتقدم الذي يناله في كل مرحلة.
إن الإستعدادت الباطنية للأفراد تصل إلى مرحلة الفعلية ، وتخرج إلى حيز الوجود في ظل التشجيع والإستحسان. وكأن الإستحسان والثناء يمنحان الأفراد طاقة جديدة ، ويفتحان لهم طريق التعالي والتكامل.

« يقول أحد علماء النفس العظماء المعاصرين ، وهو ( ماكدوكل ) : ان جميع الأطفال ـ دون استنثاء ـ في حاجة الى التشجيع وتحفيز الشعور بالاعتماد على النفس اكثر من حاجتهم الى الخشونة والعقوبة. ما أكثر الأطفال الذين ظلوا جاهلين بالطاقات والمواهب المودعة فيهم على اثر فقدان المحفزات والمشجعات لهم ، في حين أن تذكيراً بسيطاً أصبح قادراً على إظهارها. إن الجانب الأعظم من الإضطرابات الفكرية والعصبية للأطفال ناشيء من السلوك المصحوب بالشدة والغلظة تجاههم ، هذه الأمراض العصبية تظل ملازمة للإنسان مدى العمر » (1).
« إن الحاجة لاسترضاء خاطر الآخرين من ضرورات الحياة الإجتماعية. تذكروا اللذة التي حصلتم عليها عندما احرزتم

____________
( 1 ) عقده حقارت ص 17.
( 2 ) جه ميدانيم ؟ تربيت اطفال دشوار ص 65.


( 247 )

نجاحاً لأول مرة ولا قيتم تشجيعاً وإستحساناً من والديكم ، أو عندما سمعتم مديحاً من المعلمين في المدرسة ».
« إن إستحسان الآخرين ومديحهم هو الأجر الذي يهوّن الصعوبات وينسي المتاعب. إننا ـ صغاراً وكباراً ، وفي أي سن ومقام كنا ـ إذا كان ما فعلناه قد قوبل بالإستحسان فقد توصلنا إلى الأجر الذي نستحقه ، ولا ريب في أن ذلك يبعث على اللذة والسرور ، ويحثنا على الاستمرار حتى نهاية الطريق. إن الترغيب والتشيجع ضروريان من أي شخص كانا ، وأينما حصلا.. خصوصاً إذا كانا صادرين من الاصدقاء والزملاء والأقارب. وطبيعي أن يكون اهتمام البعض بالتشجيع أكثر من الآخرين ، لكن من المستحيل أن يستغني¨ أحد من تشجيع الآخرين تماماً » (1).


سلوك النبي ( ص ) في الثناء :

لقد كان قادة الإسلام وأئمته يهتمون بالأفعال الصالحة التي تصدر من الناس في أمورهم الدينية والدنيوية ، وكانوا يشجعونهم على المزيد منها وعلى سبيل المثال أذكر لكم نموذجين بهذا الصدد :
1 ـ لقد رأى النبي صلّى الله عليه وآله أعرابياً يدعو في صلاته ، ويتزلف الى الله تعالى بعبارات عميقة ومضامين عالية. لقد أثرت كلماته المتينة وعباراته المشيرة الى الى وعي صاحبها والكاشفة عن درجة الإيمان والكمال التي هو عليها في النبي ( ص ). فعين شخصاً لإنتظار الإعرابي حتى يفرغ من صلاته. فيأتي به إليه. وما إن فرغ الإعرابي حتى مثل بين يديه فأهداه النبي ( ص ) قطعة من الذهب. ثم سأله : من أين أنت ؟
قال : من بني عامر بن صعصعة.
____________
( 1 ) رشد شخصيت ص 42.


( 248 )

قال له النبي : هل عرفت لماذا أعطيتك الذهب ؟ !
قال : لما بيننا من القرابة والرحم.
فقال له النبي : « إن للرحم حقا ، ولكن وهبته لك لحسن ثنائك على الله عز وجل » (1).
لقدب بعث استحسان النبي وتشجيعه الرغبة في عمل الخير في نفس الأعرابي اكثر من السابق ، هذا من جهة ، ومن جهة أخرى فقد أدى الى أن يقتدي الآخرون به.
2 ـ يقول الإمام أمير المؤمنين عليه السلام في العهد الذي بعثه إلى مالك الأشتر ، حول سلوكه تجاه ولاته :
« وأوصل في حسن الثناء عليهم ، وتعديد ما أبلي ذوو البلاء منهم فإن كثرة الذكر لحسن أفعالهم تهزّ الشجاع ، وتحرّض الناكل إن شاء الله تعالى » (2).
وكما أن التملق والمدح الذي في غير محله أمر مذموم من الناحية الخلقية وقد يتضمن مفاسد كثيرة... كذلك الإمتناع عن التشجيع والإستحسان فإنه من الصفات الذميمة ، ويتضمن نتائج سيئة.
وفي هذا المعنى يقول أمير المومنين عليه السلام : « الثناءُ بأكثر من الإستحقاق ملق والتقصير عن الاستحقاق عي أو حسد » (3)

المديح بالإستحقاق :

قد يؤدي المديح الناشيء عن استحقاق ، إلى تغيير حياة إنسان تغييراً تاماً ، فيقوده نحو طريق السعادة والفلاح ، ويحيي شخصيته ، ويبعث نور الأمل في أعماق روحه ، ويمنحه الطمأنينة والهدوء... فيسلك طريق التكامل من دون تردد أو حيرة
____________
( 1 ) حياة الحيوان للدميري ج2|63.
( 2 ) نهج البلاغة شرح الفيض الاصفهاني ص 997.
( 3 ) نهج البلاغة ، شرح الفيض الاصفهاني ص 1239.


( 249 )

شخص يستحق الثناء والتقدير الى قتل شخصيته وإصابته بالحقارة والدونية فيفقد الإعتماد على النفس ، ويستولي عليه اليأس والقنوط ، ويقول في نفسه : إنني غير ويحصل على نجاح باهر في النهاية. وعلى العكس فقد يؤدي الإمتناع عن مدح جدير بأي تقدير أو شكر حتى أن أصدقائي لا يهتمون بشأني عندما أقوم بعمل كبير يسترعي الإنتباه ، عند ذاك تبدأ تعاسته ، ويدبّ اليأس إلى روحه ، ويستأصل داء الحقارة في نفسه ويصاب بالعوارض الوخيمة.
ومن عوارض هذا الإنهيار الروحي ، الخجل المفرط والحياء الشديد فقد يصاب الإنسان بالحقارة الى درجة أنه لا يجرأ على الإحتكاك بالناس ومعاشرتهم... وكأنه يرى نفسه أقل من أن يتكلم معه الآخرون ويعتبروه إنساناً واقعياً فيحترموا شخصيته.
« عندما يجد الفرد أنه لم يسترع انتباه الآخرين كما يتصور فإنه يفر من الناس مرة واحدة ، ويفضل الإنزواء على الإتصال بالناس خوفاً من أن يُحتقر من قبلهم ، أو يختار زاوية من المجلس فيستقر فيها بكل اضطراب وقلق دون أن يتكلم بشيء » (1)

إن المدح المناسب المستند الى الإستحقاق والجدارة شرط ضروري لتربية الطفل. ذلك أن من وسائل وقاية ظهور مرض الخجل المفرط وشدة الحياء عند الأطفال ، الثناء عليهم وتوجيه الشكر والمدح على أفعالهم الطيبة إن الأطفال الذين نشأوا على يد أبوين شديدين أنانيين لا يحسّون طعم الإستحسان والمدح أبداً ، ولذلك فإنهم يملكون أرواحاً محطمة وقلقة ، ويعيشون في حقارة مستمرة.
وكما أن الوالدين مدعوّان الى توجيه اللوم لأطفالهما على أفعالهم السيئة وتعويدهم على الإستقامة والأدب عن هذا الطريق ، كذلك يجب أن يشجعاهم في الأفعال الصالحة التي يقومون بها كي يستمروا على ذلك ، ويعرفوا بأنهم يجب أن يلتزموا السلوك المفضل في حياتهم. ولكن يجب التنبه الى أن التشجيع والتوبيخ دواءان تربويان مؤثران ، ومن الضروري الإستفاده منهما في المواقع المناسبة حسب مقدار صحيح. إن التشيجع والتوبيخ التافهين اللذين لا يستندان الى استحقاق ،
____________
( 1 ) رشد شخصيت ص 77.


( 250 )

أو الإفراط فيهما قد يكون عديم الفائدة في تربية الطفل ، وقد يؤدي الى نتائج وخيمة.
عن علي عليه السلام : « أكبر الحمق : الأغراق في المدح والذم » (1).
« يتعلم الطفل في الأشهر الثلاثة الأولى من ولادته كيفية الإبتسام ، ويختلف انطباعه تجاه الأشخاص ، عن انطباعه تجاه الأشياء. في هذه السن يوجد الإرتباط بين الطفل وأمه ، ويستطيع الطفل وأمه ، ويستطيع الطفل حينئذ أن يظهر سروره وارتياحه بمشاهدة أمه ، وإن الإستجابات التي تصدر منه لا تتصف بالصورة الحيوانية البحتة... بل يؤثر فيه الميل للمدح والتشجيع بسرعة. ومنذ هذه اللحظة يحصل المربي على سلاح جديد هو المدح والذم ».
« هذه الأسلحة تملك قدرة فعالة خلال دور الطفولة ، ولكن يجب استعمالها بحيطة وحذر شديدين. يجب أن لا يستعمل اللوم والتقريع في العام الأول ، وبعد ذلك يجب التريث في استعماله. أما المديح والثناء فإن ضررهما أقل ، ولكن يجب أن لا يُصرفا بسهولة كي يفقدا قيمتهما كذلك لا ينبغي اللجوء إليهما في التحفيز الزائد على المعتاد لطاقات الطفل. لا يوجد أب مهمل يرى طفله يمشي أو يتكلم لأول مرة ، ويستطيع أن يجري بعض الكلمات على لسانه بصورة صحيحة ، ومع ذلك يتمالك على نفسه من التشجيع والإستحسان. وبصورة عامة فإنه عندما يسيطر الطفل على أمر صعب بعد ثبات وجهد شديدين فاإن الإستحسان والثناء عليه أحسن مكافأة له. مضافاً إلى أنّ من الأفضل أن نجعل الطفل يشعر بموافقتنا لميله نحو التعلّم واكتشاف المجهولات » (1).

____________
( 1 ) غرر الحكم ودرر الكلم للآمدي 182.
( 2 ) در تربيت ص 64.


( 251 )

طريق التقدم :

يبذل الطفل نشاطاً بصورة طبيعية في طريق الوصول إلى الكمال المنشود ، يستغل طاقاته الطفولية في هذا السبيل. إن تشجيع الوالدين والأصدقاء يفسح المجال أمامه للتقدم اكثر ، ويمد سراج الأمل والتظامن في¨ نفسه بالوقود بإستمرار... وفي النتيجة تتفتح مواهبه واحدة بعد الأخرى وعلى العكس من ذلك فإن إهمال الوالدين أو تزمتهما يضعف النشاط الفردي عند الطفل ويبعث فيه الفتور والملل في سلوك طريق الجد والعمل. اإن تكرار هذا السلوك المذموم يهدم روح الطفل ويتضمن نتائج وخيمة. ولأجل أن يتضح الأمر بصورة أجلي للمستمعين الكرام نستشهد بالمثال التالي :
صبي صغير السن لم يمض على دخوله المدرسة أكثر من عدة أشهر وقد تعلم بعض الدروس من كتاب الصف الأول. والآن قد كتب صفحة كاملة لأبول مرة ، وأظهر نتائج جهوده على صفحة من القرطاس. إن هذه الكتابة تعتبر الإنتصار العلمي العظيم لهذا الصبي... فهي خلاصة الأتعاب التي بذلت معه طيلة عدة أشهر ، وهي ـ بعدُ ـ مرآة تعكس شخصيته يثبت عينيه نحو باب الدار ويعدّ الدقيقة بعد الأخرى لقدوم والده وإراءة هذا الأثر اللامع له... إنه يأمل في التشجيع والإستحسان من أبيه ، وهذه الساعة هي أسعد ساعات حياته.
يدخل الأب الى البيت ، فيركض الصبي لكي يريه ما كتبه ثم يظل ينظر إلى أبيه بعينين نافذتين. إن الأب العاقل الأب العاقل الأب الواعي.. يقرأ كتابة الصبي بإمعان ، نافذتين. إن الأب العاقل الأب الواعي.. يقرأ كتابة الصبي بإمعان ، فيبتسم... ثم يحمله بين ذراعيه ، ويعامله باللطف والمحبة ويكرر الإستحسان والثناء عليه وبهذا يكافئه بأحسن صورة. إن سلوك الأب يمنح الصبي روحا طرية ، فيزداد نشاطه وجدّه ، ويستمر في التقدم العلمي بكل شوق ورغبة.
أما الأب الجاهل ، الأب المهمل... فإنه يفاجىء الصبي بعكس ما كان يتوقع. لا يقرأ كتابته ، وإذا قرأها فلا يستحسن ولا يثني عليه. وأشدّ من ذلك أن بعض الآباء يجبرون الاخفاق والفشل الذي يلاقونه خارج المنزل بالشدة والخشونة مع الزوجة والأطفال فيرزمون بالصبي الذي كله أمل ورجاء ، وبهذا يقتلون روح التقدم فيه ، ويحطمون شخصيته ، ويطفئون سراج أمله واطمئنانه.


( 252 )

يبتعد الطفل عن أبيه بروح منكسرة ، وقلب متحطم ، وينام ليلته مع خاطرة مرة. قد لا يتنبه الأب الى سلوكه الأهوج أبداً ، ولكن الطفل لا ينسى هذا الموقف المؤلم. إن القسم الأكبر من مآسي الأفراد وتعاستهم ينبع من خاطرة مرة ، أو نقطة طفيفة... ثم تتسع حتى تعود عليه بالدمار والإنهيار.
إن الأطفال الذين لا يلاقون تشجيعاً واستحساناً على أفعالهم الطيبة التي يقومون بها ، بل يقابلون بالتحقير والاهانة من قبل الوالدين ، تندحر شصياتهم ويصابون بعقدة الحقارة ، ويقعون في شرك المشاكل والمآسي الكثيرة. ومن هذه العوارض الخجل المفرط في مواجهة الناس.
« إن الأشخاص الذين تلمسون الخجل وسرعة الإنفعال منهم ، أو تجدونهم مستهترين ومشاكسين ، أو يلاحظ عليهم الخمول والهدوء ، أو الثرثرة والفضول ، أو البرودة وضعف الإرادة ، أو التهور والسطحية... هم رجال لا يملكون اطمئناناً بأنفسهم ويفقدون الإعتماد على النفس أي أنهم يتصورن أن المجتمع لا يعترف بهم كما ينبغي ولا يحلّهم المحل الذي يستحقونه » (1).

إذن يجب على الوالدين ، ضمن القيام بواجباتهما التربوية ، الإنتباه إلى هذه النقطة المهمة ، فيستحسنا الأفعال الصالحة التي تصدر من أطفالهما ويفرّحاهم بالمدح والثناء... وهذا هو أحسن الوسائل للوقاية من نشوء الخجل المفرط وضعف النفس فيهم.
لقد ورد عن رسول الله صلّى الله عليه وآله أنه قال : « إذا نظر الوالد الى ولده فسرّه ، كان للوالد عتق نسمة » (2).
ومن البديهي أن المدح والثناء عن استحقاق أفضل الوسائل بعث السرور في نفس الطفل ، وهذا يشتمل على أجر أخروي ومكافأة إلهية في نظر الإسلام ، بغض
____________
( 1 ) رشد شخصيت ص 79.
( 2 ) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج2|626.


( 253 )

النظر عن فوائده التربوية. لقد اهتم الأئمة عليهم السلام بهذا الموضوع كثيراً ، وطبقوه في أسلوبهم التربوي الأمثل بالنسبة الى أطفالهم... إذ كانا يشجعونهم على الأفعال المفيدة التي تصدر منهم ويرغبونهم في الإستزادة منها.
والقصة التالية نموذج طريف لما تقدم.

نموذج عن الإستحسان :

كان الإمام أمير المؤمنين عليه السلام جالساً يوماً في بيته ، وقد جلس على جانبيه طفلاه الصغيران : العباس ، وزينب.
« قال علي عليه السلام للعباس : ـ قل : واحد.
فقال : واحد.
فقال : ـ قل : اثنان.
قال : استحي أن أقول باللسان الذي قلت ، واحد : اثنان !
فقبّل علي عليه السلام عينيه... ثم التفت الى زينب ـ وكانت على يساره ـ فقالت : يا أبتا ، أتحبّنا ؟
قال : نعم يا بنيتي ، أولادنا بأكبادنا !
فقالت : يا أبتاه ، حبّان لا يجتمعان في قلب المؤمن ، حبّ الله ، وحب الأولاد. وإن كان لا بدّ فالشفقة لنا والحب لله خالصاً.
قال : نعم يا بنيتي ، أولادنا أكبادنا !
فقالت : يا أبتاه ، حبّان لا يجتمعان في قلب المؤمن ، حبّ الله ، وحب الأولاد. وإن كان لا بدّ فالشفقة لنا والحب لله خالصاً.
فإزداد علي عليه السلام بهما حباً » (1).
إن تقبيل الإمام عليه السلام عيني طفله الصغير على صراحته واستقامته وإزدياد حبه له ولأخته الصغيرة مكافأة جميلة لهما على ما صدر منهما. وفي الواقع فإن بيت علي عليه السلام كان طافحاً بالتوحيد والإيمان ، مليئاً بالحب الإلهي والفناء في
____________
( 1 ) مستدرك الوسائل للمحدث النوري ج2|635.


( 254 )

ذاته... ولذلك فإن الأطفال قد تلقوا تربية سليمة وطفحت قلوبهم ـ كأبيهم ـ بحب الله وتوحيده.

عاملان لسرعة الإنفعال :

ليس منشأ الخجل المفرط سوء التربية فحسب. بل هناك طائفة من النقائص العضوية والعوامل الإجتماعية التي تؤدي الى ظهور هذا المرض. لقد استخدم الإسلام جميع الوسائل والطرق لمعالجة هذه الحالة النفسية وأوصى المسلمين بالتعليمات اللازمة.
وفي ختام بحثنا هذا نشير الى عاملين فقط لذلك : أحدهما الفقر ، والآخر الإنحطاط العائلي.
يعتبر الفقر من أعظم المصائب في حياة البشر. فالشخص الفقير مصاب الحرمان من جانب ، ومعرّض لتحقير الناس والسخرية منهم من جانب آخر.
« قال علي عليه السلام لإبنه محمد ابن الحنفية : يا بني إني أخاف عليك الفقر ، فاستعذ بالله منه ، فإن الفقر منقصة للدين ، مدهشة للعقل ، داعية للمقت » (1).
وقال لقمان لابنه : « أعلم أي بنيّ ، إني قد ذقت الصبر وأنواع المر ، فلم أر أمر من الفقر. فإن افتقرت يوماً فاجعل فقرك بينك وبين الله ، ولا تحدث الناس بفقرك فتهون عليهم » (2).
فالفقراء إذن ، يشعرون بالحقارة والضعف في انفسهم بسب الفقر والحاجة ، ولذلك فهم شديدو الخجل في علاقتهم مع الناس (3).
____________
( 1 ) نهج البلاغة ، شرح الفيض الاصفهاني ص 1228.
( 2 ) سفينة البحار للقمي ص 379.
( 3 ) تتبادر الأذهان غالباً عند ذكر الفقراء الى الأشخاص الذين امتهنوا الكدية والاستعطاء ومن الواضح أن هؤلاء يبلغ بهم الجشع والحرص أعلى درجاته وهم فاقدون للحياء لبيعهم ماء وجوههم. لكننا نقصد من الفقير الرجل العفيف الذي لا يملك ما يكفي لمؤونته ومؤونة عياله فيضطر إلى القناعة بالبسيط والاكتفاء باليسير الذي يدفع به غائلة الموت.


( 255 )

حماية الفقراء :

لقد شرع الإسلام قوانين خاصة لحماية الفقراء الذين يستحقون المساعدة حقيقة ، ولغرض مكافحة المرض النفسي الذي هم في أسره. وهكذا نجد أن الدولة الإسلامية تتكفل بضمان الحد الأدنى لحاجاتهم من الموارد العامة لبيت المال ، بحيث تسمح لهم بأن يعيشوا أعزاء... ومن جهة أخرى نجد أنه يحترم شخصيتهم في مناهجه القانونية والخلقية ، ويراعي عواطفهم تماماً.
لا يحرم الفقير بسبب قلة ذات اليد من العزة الإجتماعية والإحترام القانوني. إذ لا يحق لمسلم أن ينظر إليه بعين التحقير والاهانة. إن الفقر الإيماني والخلقي هو منشأ الحقارة والتعاسة للإنسان في نظر المؤمنين الواقعيين وإنهم يرون في الثروات المعنوية والروحية سبباً لرفعة الشأن وسمو المنزلة ، لا الثرورة المادية.
إن المؤمنين الواقعيين قد يواجهون حرماناً من بعض الأشياء بسبب من فقرهم ، ولكنهم لا يشعرون بالحقارة والضعة في انفسهم. اإن الإيمان بالله يمنحهم قوة وشخصية روحية متينة بحيث لا يستطيع الفقر أن يسيطر عليهم وبعدهم عن الحساب... هؤلاء الأفراد كانوا موجودين في العصور الماضية ، ولا يزالون موجودين في عصرنا الحاضر.

التوصيات الخلقية :

لقد أكد الإسلام في تعاليمه القانونية والخلقية على أهمية رعاية عواطف أطفال الفقراء حتى لا يصابوا بعقدة الحقارة ، ولا يتجرعوا عوارضه الوخيمة فبغض النظر عن المساعدات المالية التي أوجبها القانون لصالحهم ، فضمن بذلك حياتهم ومعيشتهم ، أكد الإسلام على الوصايا الخلقية المهمة حول عدم جرح عواطف الأيتام بالخصوص والأطفال الفقراء على وجه العموم. وعلى سبيل الشاهد أذكر لكم رواية واحدة.
يقول الرسول الأعظم صلّى الله عليه وآله ، ضمن بيان واجبات الجيران


( 256 )

وحقوقهم : « وإذا اشتريت فاكهة فأهدها له ، وإن لم تفعل فأدخلها ستراً ولا يخرج بها ولدك يغيظ بها ولده » (1).

الإنحطاط العائلي :

والإنحطاط العائلي عامل آخر من عوامل نشوء عقدة الحقارة والإصابة بالخجل المفرط في الاتصال بالناس. إن المصابين بهذه المشكلة يحسون بعدم الإرتياح في ضمائرهم ويخافون تعيير الناس لهم.
لقد حذر الإسلام أتباعه في تعاليمه الخلقية والإجتماعية من التنابز والسخرية. إن المجرم يجب أن يعاقب حسب التعاليم الإسلامية ، ولا يجوز تعييره على ذنبه.
« قال رسول الله صلّى الله عليه وآله : إذا زنَت خادم أحدكم فليجلدها الحدّ ولا يعيّرها » (2) فإذا كان المسلم لا يحق له أن يعير الزانية على عملها ، كيف يحق له أن يعير أحداً بذنب صدر من أبيه أو أمه ؟
لقد أنقذ الإسلام كثيراً من المسلمين الذين كانوا ينتمون الى عوائل منحطة من ضغط الحقارة بمنعه من ذم بعضهم البعض ، وهكذا نجد أن هؤلاء يتصلوان بالناس ويعاشرونهم دون شعور بالخجل والإنحطاط ، وإذا كان أحدب من المسلمين يوجه الذم نحوهم فإن الرسول الأعظم ( ص ) كان يمنعه من ذلك بصراحة.
كلنا نعلم ما كان يقوم به أبو جهل في صدر الإسلام من معارضة النبي ( ص ) في نشر دعوته. وقد اشتهر بسبب من سوء ما أضمر ، وفظاعة الجرائم التي قام بها بالخيانة والدنس بين المسلمين. لقد حضر إبنه عكرمة بعد موت أبيه بين يدي النبي ( ص ) واعتنق الإسلام ، فقبل النبي اسلامه ، واحتضنه وأثنى عليه. لكن لما كان عكرمة ينتمي الى أسرة أصرت على الكفر واشتهرت بسوء السمعة بين المسلمين فإن ذلك كان إلى دعاياً إحتقاره من قبل المسلمين. وفي رواية أن المسلمين كانوا
____________
( 1 ) بحار الأنوار العلامة المجلسي ج18|212.
( 2 ) مجموعة ورام ج1|57.


( 257 )

يقولون : « هذا ابن عدو الله أبي جهل ، فكشى ذلك إلى النبي صلّى الله عليه وآله ، فمنعهم من ذلك. ثم استعمله على صدقات هوازن » (1).

* * *


نستنتج مما تقدم أن الإسلام يرى أن الحياء المعقول الذي يضمن تنفيذ القوانين ويمنع من إرتكاب الذنوب ، من الصفات الفاضلة. أما الحياء المفرط غير المعقول ، والخجل المفرط الناشيء من ضعف النفس والضعة فهو مذموم عنده.
لقد أوصى الرسول الأعظم ( ص ) المسلمين بوصايا كثيرة منعاً من نشوء عقدة الحقارة فيهم. ورسم لهم الخطوط العريضة للحياة الصالحة السعيدة بفضل تعاليمه القانونية والخلقية. وفي ذلك كله وقاية عن ظهور هذا الداء الإجتماعي.
في نهاية المحاضرة أذكر لكم بعض الموارد التي لا يستحسن فيها الحياء حيث صرح الإسلام بالمنع منه فيها.
من ذلك قوله تعالى : ( والله لا يستحي من الحق ) (2) والرجال المؤمنون يتبعون أوامر الله عز وجل ويقولون الحق بكل صراحة وصرامة ويصرّون عليه دون حياء أو خوف.
إن الرجال المؤمنين لا يخافون لومة لائم في طريق الحق والواقع... ولذلك فقد وصفهم الله تعالى في كتابه المجيد حيث قال : « يجاهدون في سبيل الله ، ولا يخافون لومة لائم » (3).
والرجال المؤمنون لا يستحون أن يتعلموا ويتزودوا بالمعرفة في أي سن كانوا ، ففي الحديث : « ولا يستحين أحد إذا لم يعلم الشيء أن يتعلمه » (4).
والرجال المؤمنون لا يستحون أن يعترفوا بجهلهم إذا بجهلهم إذا سئلوا عن شيء وكان
____________
( 1 ) سفينة البحار للقمي ، مادة ( عكرم ) ص 216.
( 2 ) سورة الأحزاب | 53.
( 3 ) سورة المائدة | 54.
( 4 ) نهج البلاغة ، شرح الفيض الاصفهاني ص 113.


( 258 )

يجلهونه ، فقد قال أمير المؤمنين عليه السلام : « ولا يستحين أحد منكم إذا سئل عمّا لا يعلم ، أن يقول : لا أعلم » (1).
لقد حذر الأئمة عليهم السلام المسلمين من الخجل والحياء في كثير من الموارد ، حيث لا داعي لذلك.
وما أكثر الأشخاص المصابين بعقدة الحقارة بسبب من فقدان الإيمان أو الجهل ، أو ضعف الشخصية.. فيرتطمون في هوة الخجل المفرط في موارد لا تستحق ذلك. أما الأفراد المؤمنون فإنهم بمنجى عن هذه المشاكل بفضل اتباعهم التعاليم الإسلامية القيمة ، وإقتدائهم بسيرة أئمتهم عليهم السلام.
____________
( 1 ) نفس المصدر.

( 259 )

المحاضرة السادسة والعشرون

تعديل الميل الجنسي

قال الله تعالى في كتابه العظيم : ( ... والذين هم لفروجهم حافظون ) (1).

العفة :

من الصفات الفاضلة والملكات الإنسانية القيمة : العفة. إنها تدعو الفرد إلى الإتزان في الإستجابة لميوله الجنسية ، وتحفظه من التلوث الإنحرافات المختلفة. على الوالدين أن بنميّا هذه الفضيلة الخلقية في الطفل ، يوهتما بنشوئه على ذلك في كل مرحلة من مراحل حياته.
في قبال ذلك نجد أن الغريزة الجنسية تعتبر من أقوى الغرائز عند الإنسان. إن المآسي والمشاكل التي تصيب الفرد من هذا الطريق والميول المكبوتة والرغبات التي تصيب الفرد من هذا الطريق والميول المكبوتة والرغبات التي لم تلاق استجابة صحيحة تستطيع أن تولد في النفس الإنسانية عقداً عظيمة ، وتؤدي الى مفاسد وانحرافات ، وجرائم وخيانات وحوادث قتل وغارت... وفي بعض الأحيان تتسبب في ظهور مرض روحي أو تنتهي الى الجنون.
إن مسألة الإستجابة للغريزة الجنسية وكيفية إرضاء الميول المتعلقة بها من أهم المسائل العلمية والدينية. لقد أدلى علماء البشرية على مر القرون الطويلة ، نظريات مختلفة حول هذا الموضوع ، وقد ارتطم بعضهم بمشكلة
____________
( 1 ) سورة المؤمنون | 5.


( 260 )

الافراط أو التفريط في أفكاره. تتميز الأمم والشعوب في اعالم بأساليب خاصة في الاستجابة للغريزة الجنسية ، وتختص بعدات مختلفة في ذلك. أما في العصر الحديث فقد اتخذ الميل الجنسي لوناً جديداً ، وحصل على أهمية أكبر من السابق. إن الطبقة الواعية تعتبر هذه المسألة من مسائل العلوم الحياتية ، والإجتماعية ، والنفسية ، والطب النفسي ، والتربية والتعليم وتجري البحوث العميقة حولها.
... وللإسلام نظرته الخاصة في هذه الغريزة القوية ، منهجه الفريد في الإستجابة لها ، وقد استوعب ذلك عشرات التعليمات والوصايا المهمة في كيفية الإتزان في إرضاء الميل الجنسي ، والوصول الى الأسلوب الأمثل الذي يجنب صاحبه الإنحراف.
إن البحث التفصيلي الكامل في هذا الموضوع يحتاج الى وقت طويل ويستغرق عدة محاضرات ، ولما كان يحتل مكانة سامية في تربية الطفل من الناحيتين : الدينية والعلمية ، فسنخصص محاضرتنا هذه بذلك ، متطرقين الى أمهات القضايا بصورة مضغوطة.

الغرائز والحرية المطلقة :

يعترف جميع العلماء من مختلف الأمم والشعوب بضرورة تعديل الميول والغرائز لضمان النظام الاجتماعي واستمراره على أسس من التعاون والإنسجام ويؤمنون بأن استجابة كل فرد لميوله ورغباته يجب أن تكون محدودة وتابعة لمقياس صحيح.
هناك تضاد حتمي بين الميول النفسانية والمصالح الإجتماعية في كثير من الأحيان ، ولا طريق لإستمرار المدنية وحفظ النظام الإجتماعي بغير التخلي عن الميول اللامشروعة. إن الإنسان مضطر الى التخلي عن فكرة الحرية المطلقة. تجاه رغباته وأهوائه في الحياة الإجتماعية ، ويرى نفسه مندفعاً بصورة تلقائية ـ الى جعل استجابته لغرائزه محدودة بإطار المصلحة العامة للأفراد الذين يعيشون معه في المجتمع.