الاستنتاج |
ـــــــــ |

اولاً : التشديد في العقوبات الاخلاقية لردع المنحرفين ، فتتعين عقوبة القتل في الزنا بذات محرم نسباً ، وفي الاغتصاب الجنسي ونحوه ؛ والرجم في الزانية المحصنة والزاني المحصن ؛ والجلد على الزاني والزانية غير المحصنين ؛ والجلد والرجم معا في الشيخ والشيخة المحصنين الزانين ؛ والجلد والتغريب والجز في البكر الزاني الذي تزوج ولم يدخل . ويحد اللوطي بالقتل ضرباً بالسيف او حرقاً بالنار ، او الالقاء من شاهق ، او هدم الجدار عليه . وفي السحق مائة جلدة ، وفي القيادة خمسة وسبعين جلدة ، وفي القذف والسكر ثمانين جلدة . ولا شك ان هذا التشديد في التعامل مع المنحرفين اخلاقياً منسجم مع النظرية الاخلاقية الاسلامية . فلا بد ، من اجل بناء مجتمع متكامل نظيف يهتم بحقوق الاسرة والافراد الذين يشكلون تركيبتها البشرية وحقوق النظام الاجتماعي ، من انزال اقصى العقوبات الجسدية بالذين يحاولون تمزيق النظام الاسري والاجتماعي عن طريق الانزلاق في الشهوات المحرمة وخلط الانساب . وبطبيعة الحال ، فان الاسلام لم يغفل حاجة الفرد المتعلقة بالجنس ، بل اشبعها ضمن ضوابط الزواج الشرعية والعرفية ، وجعل
العقاب صارماً فيما وراء ذلك .
ثانياً : التشديد في الشهادة على الجرائم الخلقية ، وخصوصاً الزنا واللواط والسحق وهو اربعة شهود ، و في القيادة والقذف والسكر شاهدان . ففي ثبوت الزنا الموجب للحد رجماً او جلداً ينبغي شهادة اربعة عدول يتواردون على الشهادة برؤية الواقعة رؤية دقيقة ، ولا بد من اتفاقهم على المشهود به زماناً ومكاناً وفعلاً . واذا نقص عدد الشهود عن اربعة او اختلفوا في التفصيل حد الشهود على القذف ثمانين جلدة . ولا شك ان هذا التشديد في دقة الشهادة وعدالة الشهود ، له ناحيتان ايجابيتان . الاولى : ردع الافراد عن اتهام الآخرين بالزنا بمجرد الظن او الشك ، فلابد من اجتماع الأربعة على رؤية الواقعة بتفصيلاتها الدقيقة ، والا فستكون العقوبة من نصيبهم . الثانية : ان الذي يرتكب هذا الانحراف امام اربعة رجال دون ادنى حياء ، يستحق العقوبة
الجسدية لأنه عنصر افساد للنظام الاجتماعي ينبغي استئصاله دون رحمة .
ثالثاً : دقة نظام العقوبات الاسلامي في اقامة الحد . فلا يعاقب المنحرف مالم تتوفر كل الأدلة الشرعية التي تدين انحرافه الاخلاقي كالبلوغ ، والعقل ، والعلم بالحكم والموضوع ، والاختيار ، والتقاء الختانين . ولابد في اثبات الجريمة الموجبة للحد من عناصر واضحة تبين وقوع الانحراف ، كالاقرار اربع مرات ، او شهادة العدول ، او علم الحاكم الشرعي . وهذا النظام الدقيق لا يترك مجالاً للتأويل او التفسير الذي يناقض واقع الحكم الشرعي .
رابعاً : لا تتوقف معاقبة الانحراف على المنحرفين انفسهم ، بل تتعدى الى اولئك الذين يساهمون في ادارة ذلك الانحراف الاجتماعي والاستفادة منه
مالياً . فالقيادة ، وهو الجمع بين الذكور والاناث على الحرام ، عقوبتها الجلد خمسة وسبعين جلدة ، والنفي من البلد الذي يسكن فيه . وهذه عقوبة رادعة ، لان الجلد والنفي عقوبتان شديدتان احدهما جسدية والثانية اجتماعية ، وربما كانت العقوبة الاجتماعية اوجع من العقوبة الجسدية . ولا شك ان هذا الاسلوب يساهم في تنظيف النظام الاجتماعي من العناصر المنحرفة التي تحاول افساد المجتمع وتحطيم بنيته الاخلاقية .
خامساً : وقد جعل الاسلام الحد ، آخر الحلول لمعالجة الجريمة والانحراف . فقد امر الافراد بالستر والتوبة وسد الحاجات الغريزية بالطرق الشرعية . فاذا استتر المنحرف وتاب الى الله قبل قيام البينة فهو في ستر الله ولا يقام عليه الحد . ولكن اذا أقر على نفسه بالجرم او ثبت عليه الجرم بالبينة اقيم عليه الحد . وقد ورد في الروايات ان الامام (ع) مسؤول عن تزويج الزانية بحيث يعصمها عن ارتكاب هذا الانحراف . وهو دليل قوي على ان اهم اسباب انحراف المرأة هو الحاجة المالية او الغريزية التي لاتسد الا عن طريق الزواج الشرعي .
سادساً : معالجة الانحراف اللفظي كالقذف ونحوه . حيث ينفرد الاسلام من بين الاديان السماوية والانظمة الوضعية بمعاقبة القاذف معاقبة جسدية . وهو دليل آخر على مدى اهتمام الاسلام بنظافة المخاطبات اللفظية بين الافراد في النظام الاجتماعي .
سابعاً : مالجة مشكلة تناول الخمور من الاصل ، قطعاً لدابر الانحرافات الناتجة عن السكر والهذيان ، فيعاقب عليها المنحرف عقاباً جسدياً قدره ثمانون جلدة . ولا شك ان مشكلة الادمان على تناول الخمر من اكثر
المشاكل استهلاكاً لموارد النظام الاجتماعي الرأسمالي الاقتصادية . حيث تستنزف موارد الجهاز الصحي ، لان الادمان يسبب امراضاً داخلية مختلفة كتلف الكبد والدماغ والاعصاب . وتستنزف موارد النظام القضائي ، حيث تتطلب السيطرة الاجتماعية على المدمنين العديد من رجال الشرطة ومنظمي المرور ، لان اكثر الوفيات في المجتمع الصناعي الامريكي ناتجة عن قيادة المدمنين على تناول الخمور سياراتهم . ويسبب الادمان ايضاً انحلالاً اجتماعياً يسري تأثيره الى الاسرة والجيرة والعشيرة والنظام الاجتماعي كلياً . ولذلك .
فان تحريم تناوله ، بالاضافة الى كونه تعبدا فردياً وطاعة لله ، يعتبر قضية اجتماعية ايضاً .
ثامناً : والدليل على ان معالجة مشكلة تناول الخمور هي معالجة مشكلة اجتماعية ، هو عدم اقامة الحد على اهل الكتاب اذا شربوها في مساكنهم وكنائسهم ، الا ان يتجاهروا بها في بلاد المسلمين فيقام عليهم الحد . وفي هذا التشريع حفظ لحقوق النظام الاجتماعي الأسلامي واحترام لحرية عقائد الأفراد من الاديان والمذاهب الأخرى .
4 ـ جرائم ضد النظام الاجتماعي العام |
ـــــــــ |

أ ـ المحاربة :

____________
(1) المائدة : 33 .
يقطع بالسرقة ثم يقتل بعد ذلك ويصلب . وان اخذ المال ، ولم يقتل ، ولم يجرح ، قطع ، ثم نفي عن البلد . وان جرح ولم يأخذ المال ولم يقتل ، وجب عليه ان يقتص منه ، ثم ينفى بعد ذلك من البلد الذي فعل فيه الى غيره . وكذلك ان لم يجرح ولم يأخذ المال .
وجب عليه ان ينفى من البلد الذي فعل فيه ذلك الفعل الى غيره ، ثم يكتب الى اهل ذلك المصر بانه منفي محارب ، فلا تؤاكلوه ولا تشاربوه ولا تبايعوه ولا تجالسوه » (1) .


1 ـ سئل الامام ابو الحسن الرضا (ع) عن قول الله عز وجل : ( إنما جزاؤا الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الارض فساداً ) (3) ، فما الذي اذا فعله استوجب واحدة من هذه [ العقوبات ] الاربع ؟ فقال : ( اذا حارب الله ورسوله وسعى في الارض فساداً فقتل ، قتل به . وان قتل واخذ المال قتل وصلب . وان اخذ المال ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف . وان شهر
____________
(1) النهاية للشيخ الطوسي ص720 .
(2) المائدة : 34 .
(3) المائدة : 33 .
السيف وحارب الله ورسوله وسعى في الارض فساداً ولم يقتل ولم يأخذ المال نفي من الارض ) (1) .
2 ـ عن الامام الباقر (ع) قال :: ( من شهر السلاح في مصر من الامصار فعقر ، اقتص منه ونفي من تلك البلاد . ومن شهر السلاح في مصر من الامصار وضرب وعقر واخذ المال ولم يقتل فهو محارب ، فجزاؤه جزاء المحارب وأمره الى الامام ان شاء قتله وصلبه ، وان شاء قطع يده ورجله ... وان ضرب وقتل واخذ المال فعلى الامام ان يقطع يده اليمنى بالسرقة ثم يدفعه الى اولياء المقتول فيتبعونه بالمال ثم يقتلونه ) (2) .
3 ـ وعن ابي جعفر (ع) قال : ( من حمل السلاح بالليل فهو محارب الا ان يكون رجلاً ليس من اهل الريبة ) (3) .
ب ـ الاحتكار :

____________
(1) الكافي ج7 ص246 .
(2) التهذيب ج10 ص132 .
(3) من لا يحضره الفقيه ج4 ص48 .
(4) الجواهر ج22 ص480 .
ثالثاً : تقديم الاهم على المهم . واوجبت الشريعة اجبار المحتكر باخراج الطعام المحتكر ، و « ان كان المضطر الى الطعام قادراً على المحتكر قاتله ، فان قتل المضطر كان مظلوماً ، وان قتل صاحب الطعام فدمه هدر » (1) .


____________
(1) المسالك ـ باب الاطعمة والاشربة
(2) التوحيد للشيخ الصدوق ص 399
(3) قرب الاسناد ص63
(4) نهج البلاغة ص615
(5) المكاسب للشيخ الانصاري
وحمد الله واثنى عليه ، ثم قال : يا فلان ان المسلمين ذكروا ان الطعام قد نفذ الا شيئاً عندك ، فاخرجه وبعه ) (1) .

ج ـ ظلم الحاكم

____________
(1) الكافي ج1 ص375 .
(2) النهاية للشيخ الطوسي ص374 .
منكم ) (1) . ولا يعقل ابداً ان يكون تطبيق البناء التشريعي الاسلامي العظيم مقصوراً على عصر الرسول (ص) . بل ان الهدف المعلن للشريعة هو افساح المجال للبشرية بالتنعم باحكام الاسلام العادلة الى آخر يوم تحياه على هذه الارض ، حيث يعم السلام والامن الاجتماعي في ربوع الوطن الاسلامي بصورة تامة . ولا شك ان نظاماً سياسياً يمتلك هذه المهام العظيمة ، لابد وان يولي ولي الامر الفقيه الجامع للشرائط زمن الغيبة ، صلاحيات واسعة في ادارة أمور الحكومة واقامة الحق ودفع الباطل وقطع دابر الانحراف خصوصاً في الاحكام المالية كالزكاة والخمس والجزية والخراج والصدقة والكفارات وغيرها ، وفي احكام الدفاع حيث اوجب الاعداد والتأهب للدفاع عن الدولة ونظامها الاجتماعي ، كما ورد قوله تعالى : ( واعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم ) (2) ، وفي احكام الحدود والديات القصاص التي لا يمكن ان تقام الا تحت اشراف ونظر الحاكم الشرعي . كما ورد في خطبة بنت رسول الله (ص) فاطمة الزهراء ما يشير الى ذلك : ( .... وطاعتنا نظاماً للملة ، وامامتنا اماناً من الفرقة ) . وفي قول الامام علي بن ابي طالب (ع) ما يشير ايضاً الى ولاية الفقهاء العدول : ( اما والذي خلق الحبة وبرأ النسمة ، لولا حضور الحاضر ، وقيام الحجة بوجود الناصر ، وما اخذ الله على العلماء ان لا يقاروا على كظة ظالم ولا سغب مظلوم لالقيت حبلها على غاربلها ،
____________
(1) النساء : 59 .
(2) الانفال : 60 .
وسقيت اخرها بكأس اولها ) (1) . ويدلل قول الامام الرضا (ع) عندما سئل عن علة جعل اولي الامر وامره بطاعتهم ، الى دور الدين في حفظ النظام الاجتماعي ، فقال : ( ... لعلل كثيرة ، منها : ان الخلق لما وقفوا على حد محدود ، وامروا ان لا يتعدوا تلك الحدود ، لما فيه من فسادهم ، لم يكن يثبت ذلك ، لا يقوم الا بان يجعل عليهم فيها اميناً يأخذ بالوقف عندما ابيح لهم ويمنعهم عن التعدي ما حظر عليهم ، لانه لو لم يكن ذلك لما كان احد يترك لذته ... ) (2) .


____________
(1) نهج البلاغة ج1 ص41 .
(2) علل الشرائع ج1 ص183 .
قوم فرعون الا يتقون ) (1) . وورد ايضاً ما يشير الى وجوب الكفر بالحكومة التي لا تقضي بما انزل الله وتعمل في الناس بالجور والظلم والعدوان وسماها بالطاغوت ، فقال عز وجل : ( الم تر الى الذين يزعمون أنهم آمنوا بما انزل إليك وما انزل من قبلك يريدون ان يتحاكموا الى الطاغوت وقد أمروا ان يكفروا به ... ) (2) . وجاء في وصية الامام عي بن ابي طالب (ع) لولديه الحسن والحسين (ع) : ( .... وكونوا للظالم خصماً وللمظلوم عوناً ) . وفي مقبولة عمر بن حنظلة تهجم صريح على الحاكم الظالم ودعوة للرجوع الى ولي الامر الشرعي ، وهو الامام المعصوم في زمن الحضور والفقيه الجامع للشرائط في عصر الغيبة : ( قال [ عمر بن حنظلة ] : سألت ابا عبد الله (ع) عن رجلين من اصحابنا بينهما منازعة في دين او ميراث ، فتحاكما الى السلطان والى القضاة أيحل ذلك ؟ قال : من تحاكم اليهم في حق او باطل فانما تحاكم الى الطاغوت ، ما يحكم له فانما يأخذه سحتاً وان كان حقاً ثابتاً له لانه اخذه بحكم الطاغوت وما امر الله ان يكفر به ، قال الله تعالى : ( يريدون ان يتحاكموا الى الطاغوت وقد امروا ان يكفروا به ) قلت : كيف يصنعان ؟ قال : ينظران من كان منكم ممن قد روى حديثنا ونظر في حلالنا وحرامنا وعرف احكامنا .. فليرضوا به حكماً فاني قد جعلته عليكم حاكماً ) (3) .

____________
(1) الشعراء : 10 ـ 11 .
(2) النساء : 60 .
(3) من لا يحضره الفقيه ج3 ص5 .
على ما ذهبنا اليه ، فقال : (ع) : ( اعتبروا ايها الناس بما وعظ الله به اولياءه من سوء ثنائه على الاحبار اذ يقول : ( لولا ينهاهم الربانيون والاحبار عن قولهم الاثم واكلهم السحت ولبس ماكانوا يصنعون ) (1) . وقال : ( لعن الذين كفروا من بني اسرائيل على لسان داود وعيسى ابن مريم ذلك بما عصوا وكانوا نعتدون . كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ماكانوا يفعلون ) . وانما عاب الله ذلك عليهم لانهم كانوا يرون من الظلمة الذين بين اظهرهم المنكر والفساد فلا ينهوهم عن ذلك رهبة فيما كانوا ينالون منهم ورهبة مما يحذرون والله يقول : ( فلا تخشوا الناس واخشون ) (3) ، وقال : « والمؤمنون والمؤمنات بعضهم اولياء بعض يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ) (4) . فبدأ الله بالامر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة منه لعلمه بانها اذا اديت واقيمت استقامت الفرائض كلها هيناها وصعبها ، وذلك ان الامر بالمعروف والنهي عن المنكر دعاء الى الاسلام مع رد المظالم ، ومخالفة الظالم ، وقسمة الفيء والغنائم ، واخذ الصدقات من مواضعها ووضعها في حقها ) (5) .

____________
(1) المائدة : 63 .
(2) المائدة : 78 ـ 79 .
(3) المائدة : 44 .
(4) التوبة : 71 .
(5) تحف العقول ص237 .
الظالمة غير مقبول على الصعيدين الشرعي والعقلي ، وجب انحصار القيادة السياسية للامة الاسلامية في هذا العصر بعدول الفقهاء . بمعنى ان الامة اليوم مكلفة اكثر من اي وقت آأخر ، بقطع دابر الفساد ، واجتثاث جذوره ، وذلك بالتمرد على حكام الجور والظلم ، والعمل جدياً للاطاحة بهم وتثبيت حكم الله في ربوع الارض الطاهرة . فاذا استخدمت السلطة السلاح بوجه الناس ، قال الفقهاء يجب حينئذ محاربتها بكل الوسائل الممكنة ، باعتبارها فئة باغية ينبغي قتالها حتى تفيء الى امر الله .
الاستنتاج |
ـــــــــ |

اولاً : استتباب الامن والسلام الاجتماعي في المجتمع الاسلامي ، بسبب العقوبات الجسدية الرادعة ضد المنحرفين ، خصوصاً في المحاربة . فليس لاولياء المقتول عن طريق المحاربة العفو عن المحارب ، بل ان على الامام قتله باي شكل من الاشكال ، الا اذا تاب من تلقاء نفسه . وهذا الامن الاجتماعي الذي ينعم به المجتمع الاسلامي يعتبر من أهم مصادر استقرار النظام وتنشيط طاقات افراده الانتاجية .
ثانياً : الامان الاقتصادي المتمثل بمحاربة الاحتكار ، خصوصاً ، اذا كانت حاجة الناس للمادة الغذائية الاساسية حاجة ماسة . فيجبر المحتكر حينئذ على بيع المادة المحتكرة . وهذا التشريع ، يجنب الافراد الفوضى الاقتصادية والمعيشية ، وهو منجسم تماماً مع تطلعات الاسلام نحو العدالة الاجتماعية بين الافراد .
ثالثاً : رفض الاسلام للنظام السياسي الظالم مهما كان اللون المتلون به ، والرداء المتستر وراءه . فما معنى انزال نظام اجتماعي متكامل يسعد البشرية وينظم حياتها ، ثم لا يخضع ذلك النظام للتجربة العملية ؟ واذا كان الاسلام دين العدالة الاجتماعية حقاً ، فلا شك ان اول عدو يسعى لمحاربته ، هو نظام
الظلم الاجتماعي . ولذلك ، فان قاعدة العدالة الاجتماعية المتمثلة باطار الحكم الاسلامي والدولة الاسلامية يجب ان تستمر حتماً حتى قيام الساعة ، ان كانت تحت امر النبي (ص) او الامام المعصوم (ع) او نائبه الفقيه . لان النظام الاجتماعي الاسلامي قد تكامل بالنزول عن طريق الوحي ، ولا يحتاج في تطبيقه اليوم الا الى منفذ يأمر فيطاع ، وهو الفقيه الجامع للشرائط ، حتى قيام الحجة عليه السلام .
الاسلام والتأثيرات الاجتماعية للانحراف |
ـــــــــ |


اهله وذويه ، الا ان التشريع الاسلامي يريد بالقصاص والحدود ودفع الديات ، تثبيت النظام الاجتماعي ونشر فكرة العدالة والامان في ربوع الوطن الاسلامي . لان تأثيرات انحراف السلبية على المجتمع وافراده ، تسبب نخراً مستمراً ، وتهديماً اساسياً للاصول النظام الاجتماعي . وحتى نفهم الصورة الحقيقية للانحراف الاجتماعي وتأثيره المستمر على المجتمع الانساني لابد من ادراج هذه السلبيات المتمثلة بالحقائق التالية :
الحقيقة الاولى : ان من سلبيات الانحراف ارباك النظام الاجتماعي . فانتشار القتل والسرقة والغصب والاعتداء على اعراض الناس يجعل الحياة الاجتماعية الرغيدة امراً صعب المنال ، ويحمل الحياة اليومية الكثير من المفاجآت . فكما ان العامل المشاغب في مصنع آلي يستطيع ارباك الانتاج ، والطبيب المجنون في مستشفى للاطفال يستطيع خلخلة النظام الطبي ، والمعلم المستهتر بقيم العلم يستطيع ارباك اذهان الطلبة ، كذلك يفعل الانحراف في المجتمع الانساني من خلال ارباكه لتوجه الافراد وتطلعهم نحو حياة مستقرة هادئة .
الحقيقة الثانية : ومن سلبياته ارباك النظام الاخلاقي . فان انتشار الانحراف وانعدام السيطرة الاجتماعية عليه بنظام او قانون ، يفتح الباب امام الافراد بتجاوز الخط الذي يفصل بين الحق الباطل ، خصوصاً اذا كان نظام العقوبات متساهلاً مع المنحرفين . فاذا كان الانحراف يمثل حصيلة شريحة اجتماعية صغيرة العدد اليوم مع قانون متساهل ، فان الغد سيجلب منحرفين جدد ، الى ان يعم ذلك الانحراف جميع اطراف النظام الاجتماعي .
الحقيقة الثالثة : ان من سلبيات الانحراف استهلاك مصادر وطاقات بشرية
نافعة لو لم تستخدم للسيطرة على الجريمة ، لا ستخدمت في مجال آخر لمنفعة الافراد . فاذا علمنا ان النظام الرأسمالي في الولايات المتحدة اليوم يصرف يومياً مبالغ مالية على اطعام ورعاية ثلاثة ملايين سجين ارتكبوا جرائم مختلفة لعزلهم عن الاختلاط بالمجتمع ، تبين لنا حجم المأساة الاجتماعية التي يعيشها ذلك النظام الرأسمالي . ومع ان هؤلاء السجناء قد اخرجوا عن ساحة العمل والانتاج ، الا ان الدولة مكلفة باعشتهم ومراقبتهم وتقديم العلاج الطبي لهم ، وهذا يكلفها كمية هائلة من الطاقات الانتاجية والبشرية .
الحقيقة الرابعة : ومن سلبيات الانحراف زوال الثقة بين الافراد . والتعامل التجاري والتعليمي والثقافي عموماً مبني على اساس الثقة . فالفرد يستأجر سيارة للانتقال من مكان الى آخر باعتقاد ان السائق سيوصله الى المكان المعين لقاء اجرة معينة ، فاذا تبين ان السائق مجرم محترف هدفه سرقة المستأجر ، انهدمت الثقة بين المستأجرين المؤجرين . ومثال آخر ان الافراد يودعون اموالهم في المصارف فاذا تبين ان اصحاب المصارف لا يأتمنون على اموال الناس انعدمت الثقة بين المودعين والبنوك التجارية . ويضع الناس كذلك ثقتهم بالنظام السياسي فاذا تبين خيانة افراد النظام لحقوق الناس زالت الثقة بين الحاكم والمحكوم . وانعدام الثقة هذا يكلف النظام الاجتماعي الاقتصادي اموالاً طائلة ، بل ان انعدام الثقة بين المتعاقدين من افراد المجتمع يؤدي في النهاية الى تخريب النظام الاقتصادي والسياسي والاجتماعي للمجتمع الانساني .

فورياً في تعالمه مع الانحراف والمنحرفين حتى يستطيع النظام الاجتماعي المحافظة على كيانه من الانحلال والتمزق . ونستطيع الآن ادراج ايجابيات النظام الاسلامي بالنقاط التالية :
اولاً : فعلى صعيد استقرار النظام الاجتماعي فان فورية التعامل مع الانحراف يبعد الحياة الاجتماعية عن المفاجآت المحزنة التي تجلبها جرائم الاعتداء والقتل والسرقة ، فيستطيع الفرد ان يعيش ويحيا في مجتمع تضلله شمس الامان والحرية والسلام .
ثانياً : وعلى صعيد نظافة النظام الاجتماعي ، فان الاسلام يحاول اجتثاث الامراض الاجتماعية من الجذور ، فيرجم المنحرف خلقياً كالزاني المحصن ، ويجلد الزاني الاعزب ، والقاذف والسكران ، فيتأدب افراد المجتمع بآداب الاسلام الى حدانه يأمرهم بان لا يخرجوا من افواهم كلمات نابية ، او يتهموا انساناً بريئاً ، او ان يجرحوا شعور فرد ما . فيكون من نتائج تطبيق هذا النظام على المجتمع الشعور بالطمأنينة والامان ، وازدياد المحبة والتعاون بين الناس ، وارتفاع الطاقة الانتاجية لافراد المجتمع كلياً .
ثالثاً : وعلى صعيد المصادر والطاقات البشرية فان الاسلام يستثمرها باكمل الوجوه . فلا يحتاج المجتمع الاسلامي الا لعدد ضئيل من افراد الشرطة ، وعدد اقل من السجون . لان العقوبة رادعة والنتيجة مضمونة . فلو سرق فرد وقطعت يده علنا امام الناس ، ترى من يتجرأ على ارتكاب نفس الانحراف مرة أخرى ؟ هذا اذا علمنا ان من مسؤولية الدولة اشباع حاجات الناس الاساسية ، وان لها الحق في التدخل بما يضمن ذلك . حتى ان المنحرف المعاقب باحكام الشريعة الاسلامية يعتبر اكثر انتاجاً من المنحرف المعاقب
في السجون الرأسمالية . فالسارق المحدود بحد السرقة يستطيع ان يعمل وينتج ويحيا حياته الطبيعية ويتوب الى الله ويرجع الى الحياة الاجتماعية كفرد طاهر من ذنوب الانحراف ، الذي كان لابد من معالجته . اما المنحرف المسجون في النظام الرأسمالي فهو مصدر من مصادر الاجرام والشقاء ، لان السجن لا يؤدب المنحرف بل يزيده حقداً وغضباً على النظام الاجتماعي .
رابعاً : وعلى صعيد الثقة بين افراد المجتمع ، فان النظام الاسلامي بتشريعاته الصارمة عل الثقة محور كل النشاطات الاجتماعية . فالثقة المتبادلة بين افراد العائلة والجيران والقرابه وابناء الحي وابناء المدينة وابناء الدين الواحد والدولة الواحدة ، يرجع فضلها بالاصل الى نظام العقوبات . فاطمئنان الفرد في المجتمع الاسلامي يرجع بالاساس الى اطمئنانه على نفسه وماله وعرضه . فالمسلم يعلم ان العقوبة في النفس والمال والعرض صارمة الى حد انها تردع الآخرين عن مجرد التفكير بالقيام بالانحراف . وهذه الثقة المتبادلة بين الافراد تجعل المجتمع الاسلامي من اكثر المجتمعات البشرية انتاجاً واكثرها ثراءا . وان الحرية التي يزعم النظام الرأسمالي منحها لافراده لا تنهض بمستوى الحرية التي يمنحها الاسلام لافراد الدولة الاسلامية . فاية حرية اعظم من اطمئنان الفرد على نفسه وماله وعرضه ينتقل متى شاء ، ويتحدث بما شاء ضمن حدود الادب الاسلامي ، ويستثمر ماله انى شاء ، وهو يعلم انه لا يخاف على مال يسرق او نفس تقتل او عرض يهتك ، فلية حرية اعظم من هذه ؟ ولا يشك عاقل ان الاسلام لو حكم البشرية جميعاً بكل الوانها واشكالها ، لما جاع فقير ، وما هدر حق ، وما انتصر باطل ، لانه دين الاعتدال والمساواة ، ونظام الحق والعدالة الاجتماعية .